ميدان عابدين وميدان التحرير.. دائما ينتصر الشعب

تم نشره في الجمعة 11 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

في التاسع من أيلول (سبتمبر) 1881، وفي ميدان عابدين بالقاهرة، جرت الحوارية التالية:

- أحمد عرابي: جئنا يا مولاي لنعرض عليك طلبات الجيش والأمة وكلها طلبات عادلة.

الخديوي إسماعيل: وما هذه الطلبات؟

- عرابي: إسقاط الوزارة المستبدة، وتشكيل مجلس نواب على النسق الأوروبي، وإبلاغ الجيش إلى العدد المعين في الفرمانات السلطانية، والتصديق على القوانين العسكرية التي أمرتم بها.

- الخديوي: كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا خديوي البلد أعمل زي ما أنا عاوز، وقد ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا.

- عرابي: لقد خلقنا الله أحراراً، ولم يخلقنا تراثاً وعقارا، فوالله الذي لا إله إلا هو إننا سوف لا نورَّث ولا نستعبد بعد اليوم.

وقد ورد النص عند المؤرخ عمر عبدالعزيز عمر، في كتابه "دراسات في تاريخ العرب الحديث والمعاصر" (دار النهضة العربية، القاهرة، 1980، ص319).

تكرر المشهد المصري، وقد أفلح المصريون لأجل وطنهم. وفي يوميات مصر مرّ فيها رجال كُثر، بعضهم مستبد لا تحتفظ به ذاكرة الوطن المصري، فكان نسيا منسياً، وآخرون أبطال وطنيون، ممن يؤكدون أن مصر مستودع من الرجال: مكرم عبيد، وأحمد فؤاد سيد، وسعد زغلول، ومحمود مختار، وبدر الدين أبو غازي، وأحمد زويل، ووائل غنيم وغيرهم ممن يشكلون قاموس رجالات مصر الوطنيين.

في مصر الراهنة الأزمة تكمن في تكييف القانون بمقاس السلطة. ويرى المراقبون أن الراهن المصري عسر وصعب، ومشكلته كانت في وجود مسمى "ترزي القانون"، وهو تعبير مصري معاصر درج استخدامه لوصف بعض القانونيين الذين ارتضوا لأنفسهم أن يقوموا بمهمة سن قوانين تفصل "بحسب المقاس المطلوب" للسلطة. وهو ما يلقي بسؤال حول دور المثقفين في خدمة أي جهاز مستبد في المجال العربي. وللأسف، يبدو المثقفون جزءا من اللعبة، وهو ما حذر منه عبدالرحمن الكواكبي قبل قرن، عندما قال إن أعوان الاستبداد هم العلماء.

اليوم تشهد مصر ما لا يمكن التكهن به لمستقبلها، لكنها حتما تسير إلى الحرية، والأمر لا يحتاج لاجتهاد أو تحليل، هناك شعب اختار التعددية، وهي تعددية للأسف ظلت معطلة طويلا. فبرغم أكثر من ثلاثة عقود على الانتقال من صيغة التنظيم السياسي الواحد إلى صيغة التعددية المقيدة، اختنقت مصر، وضاق المصريون بعيشهم، بيد أن مصر التي نهضت بالحرية العربية منذ أكثر من قرن، وقدمت نماذج تاريخية لليبرالية الوطنية، كان مقدرا لها أن تكون الأكثر احتراقا بالاستبداد، فمصر التي غيرت الدنيا بثورة تموز (يوليو) لم تشهد تحولاً ديمقراطياً بعد، لكنها اليوم تسير إليه، وستنهض مصر بعزم وطنييها أكثر قوة وحرية وتعددية.

الدرس المصري سيبقى الأوفر تغطية لتاريخ الحركات الاحتجاجية، سيكتب التاريخ بدم شهداء الحرية، وسيكون ميدان التحرير ميدان حرية قادمة، وسيدون المؤرخون الجدد، تاريخا يليق بمصر ورجالها، ستكون المفارقة ملاحظة بين عصر حكم الفرد وحكم الشعب، الذي لم يستطع البقاء مع سلطة واهية يرفضها الشارع وتدين استبدادها الدنيا بأسرها.

mohannad.almubaidin@alghad.jo

 

التعليق