إبراهيم غرايبة

الصحوة الثالثة أو عصر المجتمعات

تم نشره في الأربعاء 9 شباط / فبراير 2011. 02:00 صباحاً

"ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين".
من رجل الدولة إلى رجل الأعمال إلى رجل الشارع، هذه باختصار قصة التحولات السياسية والاجتماعية منذ قيام الدولة الحديثة في بلادنا. إذ كانت الدولة هي مفتاح التنمية والنهضة والصراع، ثم هبط القطاع الخاص كحل لفشل الدولة، واليوم تنهض المجتمعات لتكون شريكاً مكافئاً للقطاع العام والقطاع الخاص في الموارد والتأثير.

قامت مشروعات الاستقلال والوحدة والتحرير والنهضة للدول والحركات على روايات قومية ويسارية، مدعومة بالكهرباء والآلة. ثم هبطت الشركات لتكون شريكاً/ بديلاً، وجاء معها على نحو مستقل/ حليف الحركات الإسلامية، وشاركت في المشهد السياسي وفي بعض الأحيان والأماكن هيمنت عليه. وجاءت الشركات والحركات الإسلامية مدعومة بالإعلام والاتصالات. واليوم، تصعد المجتمعات شريكاً على أساس تحسين الحياة، ومدعومة بالإنترنت.

في المرحلة الأولى تراجعت "الديمقراطية" لصالح التنمية والتحرير، ولم تكن هدفاً اجتماعياً وشعبياً، وأوقفت إنجازات ديمقراطية غير مأسوف عليها. وفي المرحلة الثانية تحولت الديمقراطية إلى "زينة غير ضارة" للتمرير والتسويق والتوظيف السياسي والاجتماعي، ولكنها لم تكن فلسفة أو أسلوب حياة أو مطلباً جوهريا تقوم عليه مصالح الناس وأعمالهم.

المرحلة الأولى قامت على الوصاية "ما أريكم إلا ما أرى"، والمرحلة الثانية قامت على الإبهار و"الهيلمة" "وسحروا أعين الناس واسترهبوهم"، والمرحلة الثالثة تقوم على الشك والحيرة "وقل رب زدني علما". هذا التحول من اليقين والوضوح إلى الشك والبحث هو مصدر الفضيلة والتقدم المفترض، أو يجب أن يكون نقطة القوة والميزة الأساسية للتحولات، فلأننا لا نعرف ان نلجأ إلى الديمقراطية، ليس لأنها صواب ولكن لأنها عقد اجتماعي، فتكون أسلوب حياة وليست أيديولوجيا يدافع عنها الدعاة.

المرحلة الأولى هرمية تسلسلية، ويصعد الناس في الهرم ويهبطون حسب قواعد وتقاليد بيروقراطية قائمة على المهارات والتعلم والارتقاء والقرابة والاستبعاد والإقصاء والتهميش والولاء والمعارضة. والمرحلة الثانية مثل زجاجة عملاقة لها حوض كبير تعيش فيه أغلبية الناس في عزلة وبؤس، ولها عنق ضيق ثم قاعدة جميلة مترفة للنخب، وفي الطريق بين الأغلبية الفقيرة والأقلية (النخبة) أو عنق الزجاجة تقف سيوف للحراسة والتفتيش لا تسمح بالعبور إلا ضمن قواعد قاسية ومتوحشة من القرابة والتبعية والشراكات والمصالح الفاسدة، وهكذا تعفنت النخب والمجتمعات، و"ظهر الفساد في البر والبحر".

في المرحلة الأولى استخدمت المعرفة والموارد لبناء الدولة ومؤسساتها وصياغة المجتمعات وتحديثها وتنميطها والهمينة على روحها وعقولها وقلوبها، فكان شر فيه خير أو خير فيه شر. وفي المرحلة الثانية استخدمت المعرفة والتقنية لإنتاج التخلف والفشل، الفشل المصنوع بوعي وعبقرية مدهشة.. وفي المرحلة الثالثة سنمضي إلى المغامرة والتجربة والفوضى.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الموجة الثالثة (حسان الشمالي)

    الأربعاء 9 شباط / فبراير 2011.
    ما يجري في العالم والدول العربية أمر طبيعي ومتوقع ومصاحب للموجة الثالثة عندما حلت المعلوماتية والاتصالات محل الصناعة والزراعة في قيادة الموارد والمجتمعات.
    العالم تغير ويتغير كل يوم، ربما تأخرنا في الدول العربية عن العالم ولكن لا يمكن استمرار ذلك.
    وفي مرحلة العولمة لم يعد ممكنا العزلة والاختلاف فما جري في العالم سيجري عندنا فورا
  • »الوضع الراهن (safaarayaan)

    الأربعاء 9 شباط / فبراير 2011.
    تحليل رائع يا استاذ ابراهيم واضيف ان الصورة التي جرت فيها التحولات السياسيةالاقتصادية في الاردن كانت في البدايةعلى شكل دعوة اصلاحية بحتة طرحت لهدف تحسين الاداء والكفاءة وعلى انها لن تمس التركيبات الايدولوجية سواء في الدولة اوللطبقات الشعبية العريضة لكن الامور سرعان ما تغيرت لتنتج مصطلحات جديدة وايحاءات سلبية غيرت في كثير من المضامبن التي قامت علها
    من حيث الاختلافات التي حدثت سواء في التجربة الديموقراطية والتي افتقدت للكتير من مرتكزاتها الاساسية كالشفافية والوضوح والنزاهة والافتقار الى الارادة السياسية الغاعلة والتي عجزت عن تخطي الواقع المازوم او في انتاج فكري سياسي حضاري