سقطة جابر عصفور

تم نشره في الثلاثاء 8 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

يستحقّ الناقد المصري اللامع الدكتور جابر عصفور أَنْ يكون وزيراً للثقافة في بلاده، لكنّ هذا المنصب جاء إليه في اللحظة الغلط، واستسلم له، فاستثار غضباً واسعاً منه، جَهَر به مثقفون مصريون وعربٌ عديدون، اعتبر بعضهم موقفه "مُخزياً". ومبعثُ الاستهجان المحقّ من "سقطة" المثقف الكبير أنّه ارتضى لنفسه توزيراً مرتجلاً في حكومةٍ تمّ تلفيقها كيفما اتفق، أثناء صيحات ملايين المصريين مطالبين بسقوط النظام ورحيل حسني مبارك. وليأذنْ أصدقاء عقّبوا بأَنّ فعلة عصفور لم تُفاجئْ أَحداً، لأنه كان يعملُ في مؤسسات النظام، في رئاسته المجلس الأعلى للثقافة ثم رئاسته المجلس القوميّ للترجمة، ليأذنوا بتذكيرهم بأنّ المجلسين يتبعان الدولة المصرية أولاً، وأنّ عصفور أنجز في سنوات مسؤولياته عنهما الكثير للثقافة العربية، وأَبعدَهما عن الخيارات الرسميّة والحكوميّة. 

قَبِل جابر عصفور وساماً من زين العابدين بن علي، وارتضى أنْ يُعطى جائزة القذافي للآداب، بعد أنْ رفضها الإسبانيّ الجميل خوان غويتسولو التزاماً منه بمناهضة الديكتاتورية، وها هو في العقد السابع (متّعه الله بالصحة) يتلقّى رسائل عزاءٍ في شخصه على هاتفه المحمول من أصدقاء له. وهذا صديقُنا الرائق إبراهيم نصرالله يكتبُ إنّ عصفور وجّه "الضربةَ المميتة لفكرة المثقف وفكرة الحرية"، ويصفُ قبولَه منصب وزير الثقافة في نظامٍ عمل على إذلال الشعب المصري بأنّه "مرعب". وللحقّ، فإنّ الغضبَ المستعر في الصحافة الثقافية العربية (ماذا عن الأردنية؟) من الرجل يُؤشِّر إلى فجيعةٍ مستجدّةٍ في المشهد الثقافيّ العربي، وهو المشهد الذي يعرفُ الآن "زمن الرواية"، بحسب مقولةٍ تقترنُ بالناقد الحصيف جابر عصفور. ولمّا كانت الرواية المصرية الإبداع الأدبيّ الأكثر تعبيراً عن شقاء المصريين تحت ضربات التجبّر والفساد والقهر، وعن أشواقهم إلى التحرُّر من التسلط السياسيّ والاجتماعيّ، يجوزُ سؤالٌ عما إذا كان عصفور، وهو القارئُ الحاذق، أراد لنفسِه زمناً معاكساً للزمن الذي يتطلع إليه المنتفضون في ميادين مصر وشوارعِها.

يُخطئ الأستاذ الجامعيّ العتيق في تقديره أنه يسيرُ على هدي طه حسين (له كتابٌ بديع عنه) الذي صار وزيراً للمعارف قبل عامين من ثورة 1952. ويخطئ أكثر إذا ما يزال على قوله مرّةً إنه إنّما "يحاولُ تغيير السلطة من الداخل. ويخطئ أيضاً وأيضاً حين يظنّ أنّ في مقدوره أنْ يصنع شيئاً مهماً في موقعه الوزاريّ للثقافة في مصر، في لحظةٍ يُدوِّن فيها شبابُ مصر في مظاهراتهم المتواصلة ثقافةً مغايرةً لكلّ ما هو حكومي. ولأنّ جابر عصفور أَعرَفُ من غيره بما كان يهجسُ به رفيقُه الراحل أمل دنقل، كما يتبدّى في دراساته، وأعرفُ بالمعنى الجوهريّ لمقولة إدوارد سعيد إنّ واجبَ المثقف أنْ يُعكّر صفو السلطة، فإنّ من العصيّ تسويغ حالته الراهنة، وإذا صحّ أَنه أبلغَ  قاصّاً صديقاً بأنّ ضغوطاً ثقيلةً مورست عليه، فذلك لا يأتي له بالتعاطف. وإذْ نستجيب لدعوة الصديق عبدُه وازن أَنْ لا ننسى الوجهَ التنويريّ والمضيء لجابر عصفور، فليس، في الوقت نفسه، في وسْعِنا أنْ نتخففَ من غضبٍ يستبدُّ بنا من غلطٍ ارتضاه في لحظةٍ مصريةٍ محتدمة.

التعليق