د.باسم الطويسي

ميدان التحرير

تم نشره في السبت 5 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

أصبح ميدان التحرير وسط مدينة القاهرة رمزاً عالمياً للتحرر، بعد أن جسدت الثورة الشعبية الجديدة اسمه على الأرض بالفعل والقول، وأدخلت كلمة "التحرير" العربية إلى قواميس عشرات اللغات حينما رددتها وسائل الإعلام بلفظها العربي، كما فعلت مع كلمة "الانتفاضة" من قبل، ما يجعل اللغة العربية ربما من أكثر اللغات التي تمد لغات العالم الأخرى أكثر الدلالات دعوة للتحرر وأكثرها انفعالاً.

انتقل اسم ميدان التحرير بسرعة وكثافة بين الناس خلال الأيام الماضية، وربما كان أكثر مكان تكرر لفظه منذ مطلع العالم الجديد، وأصبح يعرفه الكبار والصغار على الأقل في العالم العربي. سيكون حتما رمزا عزيزا في الذاكرة المصرية يرتبط بالألم والتضحيات ودماء من ضحوا في سبيل الحرية القادمة، ومن قاوموا ضرب السيوف والخناجر والسلاسل في الغزوة الجبانة لخيول النظام الهرمة وجماله المتعبة، ولكن الأعز من ذلك أن هذا المكان سيبقى بؤرة للإلهام تمد ملايين الناس العاديين طاقة وثراء عاطفيا ومعرفيا نحو الخلاص والتضحية.

الذين عاشوا وسط الشعب المصري يعرفون كم يتعلق هذا الشعب العظيم بالحلم وتجاوز الذات، وكم يتوق دوماً إلى جعل بلاده حكاية تروى من الصغار والكبار. الحلم المصري الذي انطلق من ميدان التحرير سيروي حكايات أخرى عن الحلم العظيم الذي تجسد بعيداً عن أمراض الثوريين المتقاعدين من الثورة والحياة، وبعيدا عن الأيديولوجيات الهشة والمتعبة.

مئات القصص والحكايات سوف تروى من قاع ميدان التحرير والشوارع العشرة التي تصب فيه، قصص سيرويها هؤلاء الشباب عن ليالي البرد القاسية، عن الأرض والإسفلت المتيبس الذي لف الاجساد في تلك الليالي، عن الأصوات الهادرة والأفكار المبدعة التي صاغت عشرات الحلول من أجل الصمود والاستمرار؛ كيف قام هؤلاء الشباب منذ الأيام الاولى بتقسيم الميدان الواسع إلى مربعات كل منها له اسم ورقم حتى يتمكنوا من الحركة والتنظيم داخل هذا السيل البشري الضخم؛ كيف اخترع هؤلاء الشباب وسائل وحلولا للاتصال والتواصل فيما بينهم بعد أن أغلقت السلطات كل المنافذ، وكيف طوروا حلولا لوجستية لمدهم بالماء والأكل وكل ما يحتاجونه.

ذاكرة ميدان التحرير تعود الى أكثر من قرن حيث سمي في البداية "ميدان الإسماعيلية" نسبة للخديوي إسماعيل، ومع قدوم الثورة المصرية في الخمسينيات أصبح يسمى ميدان التحرير. وعلى الرغم من وجود ميادين أخرى في القاهرة لها أهمية أكبر في الحياة اليومية للمصريين، مثل ميدان رمسيس الواقع على أكبر نقطة للنقل والمواصلات في القاهرة (محطة مصر)، وميدان العتبة الواقع على أكبر وأقدم مركز تجاري، إلا أن ميدان التحرير سيقف منذ هذه الواقعة في مصافي الأماكن الكبيرة في ذاكرة البشرية وفي تاريخها نحو التحرر والانعتاق، إلى جانب ساحة الحرية وقوس النصر في باريس، وساحة تيانانمين في بكين، والساحة الحمراء في موسكو، وميدان آزاداي في طهران، وميدان ايبافميودي لوس سانتوس في مانيلا.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اعلى من السد العالي (احمد خليل)

    السبت 5 شباط / فبراير 2011.
    شعب مصر العظيم له كل المحبة والتقدير ، لقد رفعتوا رؤسنا عاليا ، اعلى من الاهرامات واعلى من السد العالي ، لكم النصر ، لكم الدعاء ، واليكم الصلوات تترتل من السماء ، يا احفاد عمرو بن العاص ، وابناء سعد زغلول واحمد عرابي وطه حسين.
  • »ميدان التحرير (عصام)

    السبت 5 شباط / فبراير 2011.
    كل الاحترام للشعب الثائر قلوبنا معكم يااهل التحرير !عاشت مصر حرة عربية