عيسى الشعيبي

أسئلة في ميدان التحرير

تم نشره في الجمعة 4 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

ليس هناك من شك في أن الأحداث الدراماتيكية المتدفقة بغزارة في مجرى نهر التطورات المصرية الواسعة وسع نهر النيل، ما تزال تمثل النقطة الأشد استقطاباً لاهتمامات الكثرة الكاثرة من المعلقين والمشتغلين بالشأن العام، رغم أهمية عدد من الوقائع المحلية المتناثرة هنا وهناك في العديد من الدول والأمصار المأزومة أساساً في عموم هذه المنطقة الحبلى دائماً بالتقلبات الدراماتيكية المفاجئة.

ومع أنه من الصعوبة بمكان لأي معلق أو دبلوماسي أن يمسك باللحظة السياسية المصرية الراهنة، وأن يؤوّل ممكناتها على هذا النحو أو ذاك، نظراً لسرعة متغيراتها المتعاقبة على نحو يقطع الأنفاس، إلا أنه يمكن القول من دون تهيّب، إن ميدان التحرير الذي بات يرمز اليوم إلى حيوية الحراك الجماهيري ويلخص الحالة المصرية بكل مكوناتها، يغص بقائمة طويلة من الأسئلة التي تتعدد إجابات البعض عن أسرارها المكتومة بعد، فيما يستعصي بعضها الآخر على الإجابات الشافية.

وأحسب أن الأسئلة المتعلقة بالمستقبل، الذي لا يخص مصر وحدها، لا تقل التباساً عن أسئلة الراهن السياسي المصري المتحول بين عشية وضحاها، إن لم نقل ساعة بعد أخرى، خصوصاً ونحن نشهد هذا الاقتحام الأميركي غير المسبوق لشؤون داخلية اعتادت واشنطن على احترامها شكلاً، ونتابع بدهشة وارتياب هذا الدخول الغربي على خط التطورات الجارية بفظاظة قل أن رأينا مثلها حتى في أوروبا الشرقية، أو في الدول التي عاشت ما سمي بالثورات البرتقالية.

وإذا كان مصير النظام المصري القائم قد حسم أمره إلى غير رجعة، أو أنه في طريقه إلى الحسم دون ريب، وأن مصر قد تغيرت بصورة نهائية منذ الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير)، فإن مصائر كثير من وحدات النظام العربي، ومآل تغيرات هيكلية محتملة في البيئة الإقليمية، لم تحسم بعد، بل قد لا تشهد هذه التغيرات المرتقبة مستقراً لها في المدى المنظور، لا سيما وأن الارتدادات شبه المؤكدة للزلزال المصري العنيف لا يمكن التنبؤ سلفاً بزمان وقوعها أو مكان حدوثها على وجه الدقة.

فهل نحن أمام شرق أوسط إسلامي كما بشر بذلك الرئيس الإيراني قبل أيام، أم أننا أمام شرق أوسط جديد وفق البشائر الأميركية السابقة؟ وماذا عن تحالف الأضداد المفاجئ وتآلف مواقف المتصارعين على صياغة مستقبل هذه المنطقة من دون سابق إنذار؟ وكيف لكل القوى الديمقراطية والأصولية والوطنية أن تواصل ضبط إدارة هذه المعركة من أجل التغيير، عندما ينجلي الموقف في وقت قد لا يكون قريباً عن مشهد داخلي مصري جديد؟

إننا ونحن نطرح مثل هذه الأسئلة التي ربما راودت عقول المعتصمين في ميدان التحرير وخارجه، ولا نجد أياً من الإجابات الكافية على أي منها، فذلك لأن مظاهر القلق والتحسب التي راحت تستبد بعواصم هذه المنطقة المخاطبة تماماً بمستقبل العاصفة المصرية وحصاد مخلفاتها الهائلة، مرشحة للتفاقم أكثر فأكثر بعد أن عجزت عقول الكثيرين عن فهم مغزى تجريد النظام المصري الراسخ، وبدفعة واحدة، من قواه الأمنية أولاً ومن حزبه الحاكم ثانياً، ومن جيشه الكبير ثالثاً، ناهيك عن تحالفاته الدولية رابعاً، وذلك بسرعة انقلابية شديدة، وتركه من ثم في مواجهة أقداره وحيداً يقضم نفسه بنفسه.

Issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق