محمد برهومة

الاستقواء بالداخل

تم نشره في الجمعة 4 شباط / فبراير 2011. 02:00 صباحاً

يدشّن العرب العقد الثاني من الألفية الثالثة بتوديع عهد الاستقواء بالخارج وتهميش الداخل باتجاه البدء بخطوات أولية نحو مرحلة إعادة الاعتبار إلى الداخل والاستقواء به، وثبوت أرجحيته على الخارج في تحديد التحوّلات التي تعيشها منطقتنا هذه الأيام. وهذا التدشين يلحظ تأثير الإرادة الشعبية التي كانتْ خارج الحسابات طوال عقود مرّتْ، كما يلحظ من جانب آخر دور الجيوش في إدارة الدول في منطقتنا، ويسلّط الضوء مجددا على أنّ ردود فعل الجيوش تُحدد عادة نجاح التحركات الشعبية أو فشلها.

في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كانتْ الانقلابات العسكرية التي شهدتها بعض دول المنطقة العربية تكشف عن زخم ما تحمله من تحولات جذرية والبدء بمرحلة تاريخية جديدة من خلال تحديد علاقتها مع الخارج ورفع الشعارات الكبيرة: لا للاستعمار، ولا للامبريالية... بينما كانت في الحقيقة تهمّش الداخل، وتستبدّ به، وتُفقره وتعطّل قوّته بالقهر والقمع والكبت والحكم العسكري أو المركزيّ الطارد للإبداع والإنتاج والتحرر.

اليوم، نتأمل أنْ نكون في العالم العربي قد بدأنا عهداً أفضل، فبوصلة الاحتجاجات الشعبية تتجه في شعاراتها ومطالبها وأهدافها نحو إصلاح الداخل والاستقواء به، وهي بذلك تُعطي درساً أساسياً في مسيرة التنمية والديمقراطية والإصلاح مفاده أنّ النجاح المحليّ هو النجاح الحقيقي، وبأنّ قوّة السياسة الخارجية لأي بلد تنبع في الحقيقة من قوّة السياسة الداخلية، وأنّ التحالفات الخارجية لا يمكن أنْ تُغني عن التماسك الداخلي المستند إلى التعبير الحقيقي عن إرادة الناس وتطلعات الشعوب وأشواقها.

التحركات الشعبية العربية لم ترفع شعارات وقضايا خارجية كبرى، بل حصرتْ مطالبها بإصلاح الداخل. ولقد كان العامل الداخلي دائما هو الدرس الأول في تحوّلات الشعوب والأمم في كثير من مناطق العالم. بل إنّ الاستراتيجيين والمؤرخين يؤكدون أنّ التحولات التاريخية التي تمرّ بها الشعوب عادة ما تكون مفاجئة وغير قابلة في غالب الأحيان للرصد والتوقع المؤكدين. فلم تتوقع الاستخبارات الغربية، مثلاً، التطورات في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية. ولم تتوقع الاستخبارات الغربية ولا جهاز "الموساد" أحداث مصر أو تونس. وفي سياق متصل بهذه المعاني كتب المعلّق السياسي الإسرائيلي في صحيفة "هآرتس" ألوف بن (30/1/2011) يقول: "إن الولايات المتحدة لا تستطيع فعل شيء تقريباً لإنقاذ المقربين منها من غضب جماهيرهم".

لقد كُتِبَ وقيلَ الكثير عن العولمة التي عمِلتْ على تراجع دور "المحلي" و"الخاص" و"الداخل" لصالح "الكوني" و"العولمي" و"الخارج"، والآن جاء الأوان ليس للانسحاب من نبض "العولمة" بل لتوظيف أدواتها وآفاقها وإمكاناتها الهائلة في الاتصالات والإعلام والتكنولوجيا الرقمية والتبادلات التجارية من أجل الإصلاح الداخلي، والتأكيد بأنّ تعافي الداخل من أمراض القمع والاستبداد والفساد المالي والسياسي والاستئثار بالسلطة والثروة هي ركائز"العولمة" العادلة وترسيخ ركائز عالم أفضل.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقالة رائعة و معبرة بحق (هشام)

    الجمعة 4 شباط / فبراير 2011.
    لا يسعني سوى شكرك على هذا المقال الرائع الذي اوجز بالفعل بالتحولات العظيمة و الرائعة للشعوب العربية و التي تعكس آمالهم في تحقق وحدة و تعاضد و استرجاع هيبة الامة العربية لجميع الاقطار العربية...لندون التاريخ الحديث بحرية و نهضة عربية ترتقي لئن يحسد عليها من الخارج و نصبح نموذجاً للغرب لا العكس إن شاء الله تعالى