ياسر أبو هلالة

من الدولة الشركة إلى الدولة العصابة

تم نشره في الخميس 3 شباط / فبراير 2011. 02:00 صباحاً

اتصل رجل أعمال أردني بزميله المصري ليطمئن على أحواله، فأجابت زوجته، وقالت إنه تحت في نوبة حراسة للعمارة، بعد أن عادوا من ميدان التحرير. وأسهبت بالحديث عن جماليات الاعتصام. تلك العائلة تملك شقة على النيل يقدر سعرها بالملايين، وهي تملك شركة مضاربة، أي أنها الأكثر تضررا من ناحية اقتصادية من الثورة بعد انهيار البورصة، ومع ذلك صاروا جزءاً من الثورة من خلال مشاركتهم في اعتصام ميدان التحرير. نموذج آخر للمخرجة السينمائية هالة جلال التي فقدت شقيقتها التي أصيبت بارتفاع في الضغط ولم تستقبلها المستشفيات الرسمية التي التزمت بتعليمات الاقتصار على معالجة رجال الأمن فقط.

يعكس المثالان السابقان مدى اتساع الثورة المصرية لتشمل كل قطاعات المجتمع باستثناء أفراد العصابة. أحداث الأمس، وأكتب ولا أعرف نتائجها النهائية، عبرت عن رقي وشجاعة وتحضر المحتجين بقدر ما عرّت تماماً همجية وجبن وانحطاط عصابة الحاكمين. أغاروا على مبنى المتحف المصري، فهم بحميرهم وجمالهم وبغالهم ومطاويهم يجسدون حال النظام الذي لا مكان له في عصرنا.

لا مجال للإنكار والتذاكي، هويات ضباط الأمن كانت ترصدها الكاميرات على الهواء، وسلاح البلطجية مستخدم بكثافة في كل انتخابات، فكيف في المظاهرات. إن التاريخ لا يرحم قبل اختراع الكاميرا، فكيف إن كانت الكاميرات على الهواء؟ إن فتية مصر لا يخوضون صراع بقاء من أجل أنفسهم وبلدهم، بل صراع من أجل أمتهم ومن أجل الإنسانية. فبقاء نظام همجي على رأس ثمانين مليون آدمي، خطر على كوكبنا كله لا على المنطقة العربية.

قلت يوما إن العرب نقلوا العالم من الدولة الاشتراكية إلى الدولة الشركة. ثبت أن ذلك غير دقيق، فالشركة تسعى لتحقيق مكاسب خاصة، ورأس المال جبان يهرب عند اشتداد الخطر، ما تشهده مصر ليس شركة تسعى لمكاسب خاصة قابلة للتوريث بل عصابة شرسة مدمرة تسعى لتكرار فعلة نيرون في إحراق روما.

يقف مبارك اليوم معزولا، لا سند له غير نتنياهو الذي يحذر من تكرار نموذج إيران. وقد بدا واضحا أن الأميركيين تخلوا عن حليفهم التاريخي الذي يعيش أيامه الأخيرة، وقد اختار نهاية بائسة له، فأكثر من مائتي شهيد وآلاف الجرحى وكل هذا الخراب، وحتى نهب المتحف المصري وإحراقه يهون أمام استمراره في الرئاسة. ومن سوء حظه أن رحيله المديد متابع وموثق بالصوت والصورة على الهواء مباشرة، خلافا لسلفه من طغاة وثقت فظاعاتهم بكتب قد لا يطلع عليها أحد. ومن حسن حظ أحرار مصر أن بطولاتهم موثقة للدرجة نفسها، ولن تضيع تضحياتهم لا عند شعبهم ولا عند أمتهم ولا عند ربهم. فالكل إلى فناء بحسب ما ذكر أردوغان، وكل يرسم اللوحة الباقية من بعده. ولا أجمل من لوحة شباب مصر وهم مرابطون في ميدان الحرية والتحرير. وهي لوحة لم تكتمل بعد، وستكون الأجمل مع ضربة الفرشاة الأخيرة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »worth reading (ALZYOUD)

    الخميس 3 شباط / فبراير 2011.
    when i saw the titel of this article, i thought it is about the late and the new governments in Jordan. take a look and think again, pass!
  • »الى شعب مصر في ميدان التحرير (Esraa Abu Snieneh)

    الخميس 3 شباط / فبراير 2011.
    يا مصر عشت حرة و أبية
    و على النظام المستبد ظلام
    ثلاثون عاماً ضاقت الدنيا بها
    والطاغية المقهور كان ملام
    قد كانت الحرية الاولى بثورة ناصر
    و النصر في الأخرى كما في الاولى
    فالشعب لا يرضى عن الممات بدائل
    والحاكم الجاني غدا مذعورا
    " لا بورك" من داس الكرامة واعتلى
    غصباً على صدر الأباة عقودا
    بالأمس كانت غفوة أو نزوة
    والصمت قد حكم الحناجر جورا
    واليوم تكفير بحج الشعب في
    ميدانهم, حتى يحل العيد بالتحرير
    أو يستمر المستبد بقصره
    يشدو أماناً زائفا مجهولا
    الجبن من شيم الطغاة وما لهم
    من ناصرً
    وبإذن ربك منتهون قريبا
  • »رويات للاديب ماركيز (انور)

    الخميس 3 شباط / فبراير 2011.
    قصة موت معلن
    ليس لدى الكولونيل من يكاتبه
    خريف البطريك
    مئة عام من العزلة
    الجنرال في متاهتة
    لا يوجد لصوص في المدينة
  • »حسن خطك (متفائل)

    الخميس 3 شباط / فبراير 2011.
    افراد وجماعات حكاما ومحكومين كل يكتب تاريخه بيده" فلا يلومن الا نفسه ".
    حسن الختام امام الشعوب وامام الله لها مقدمات لكن في الغالب الاعم من شب على شيء مات عليه.
    حسن الختام توفيق من الله وهو لا يكون الا لمن احب واجزم ان الله لايحب الظالمين والطغاة فسوء الختام والخزي والعار هو المصير الذي يليق بهم.
  • »من الدوله الى الشركه (عبدالله اليو)

    الخميس 3 شباط / فبراير 2011.
    لكم الله يا شباب مصر الحره الابيه وهذا نهايه كل طاغيه وان شاالله تكون قريبه ويزول همكم يا باب وتسلم ايدك يا ياسر لان الحكام العرب يعتبرون البلاد شركات لهم والشعب عبيد عندهم
  • »من سرقة حقوق المواطنين إلى سرقة حقوق العرب اجمعين (خالــد الشحـــام)

    الخميس 3 شباط / فبراير 2011.
    شكرا لك سيد ياسر على هذا المقال الذي يثري معنوياتنا ويعزز من جمالية المخاض العسير لكل انسان حر ، صدقا لقد شعرنا بالقهر والاستياء البالغين مساء امس ونحن أسمع اخبار الحشود المؤيدة للرئيس وهي تمارس اعمال التخريب والقتل وتعتدي على الناس البريئة تحت مسمى المؤازرة .

    هنالك جملة سريعة من الملاحظات حول بعض تفاصيل المشهد في هذه الأحداث :

    •عندما نسمع الكثير من المحللين والمتابعين للأحداث الجارية يتم التركيز على دورالنظام التدميري الممنهج للبنية الداخلية في مصر على كافة المحاور ، ولكن يغيب عن الحوارات أن التدمير الداخلي ليس سوى تابع لدوره الرئيسي القومي في رعاية المشروع الصهيوني في المنطقة وعمله طيلة سنوات اخلاصه في تثبيت الكيان الصهيوني والسهر على ما يرضيه ويطيل من عمره ، لا يقتصر دوره على صناعة الفقر والظلم والجوع في الداخل بل يتعداه ليساهم في مأسي الشعوب العربية على شمول المنطقة من فلسطين وحتى السودان ومن هنا يتأتى الأنتباه لأهمية الأحداث التي تجري في مصر واختلافها مع ماجرى في تونس اختلافا جوهريا .

    •العدو الحقيقي الذي تحاربه
    الشعوب العربية المغلوبة على أمرها لا يتمثل في كيان فردي شخصي داخلي ، معركة شعب مصر اليوم ليست مع شخص الرئيس ولم تكن معركة الشعب التونسي مع زين العابدين ، العدو الحقيقي هو من صنع هذه الشخصيات الكارثية وهو نفسه الان الذي يحاول اظهار التعاطف مع الشعب المصري ويبدو بهيئة المساند لهم ويطالب باجراء التغييرات ، فعندما تقول وزيرة الخارجية الأمريكية - السيدة( هيل )- بأن من حق شعب مصر الحصول على حقوقه فهذا طبعا يعني ضمن الاطار المقبول لتعريف الحقوق في المفاهيم الامريكية وإعادة تكريس النموذج المتسلط بقالب جديد وملابس ملونة وإلى أبد الآبدين.
    -طبعا هذا لا يعني أن معركة الرموز قد حيدت فالرئيس رمز بحد ذاته وسقوطه يعني الكثير-

    •السلطة الدينية الرسمية في الآنظمة العربية كما تظهر الأحداث هي سلطة كاذبة ومنافقة ومخادعة لشعوبها وليست على وفاق مع المصلحة الوطنية أبدا ، إنما هي سلطة خاضعة وتابعة لشخص الحاكم وتأتمر بأمره ولا قيمة لها بتاتا ، وقد شاهدنا كيف اتخذت مؤسسة الآزهر الموقف المريب من الأحداث ووقفت بهئية الداعي إلى التعقل وهي تدرك تماما أنها تلعب دور الشيطان الأخرس بمنتهى الاتقان.

    •لقد تبين بوضوح مثال صارخ على حقيقة الحاكم العربي في بلاده ومستوى ثقافته ووعيه الوطني والانساني والأكاديمي ، فهو ليس مجرد رجل يتشبت بحكمه ويدافع عنه باللف والدوران على القوانين والمسميات وارتداء عباءة الحكمة وإنما لديه القابلية لحرق الأخضر واليابس في سبيل ذاته دون أدنى التفات لمصلحة بلاده أو شعبه وليس هذا فحسب بل لديه من الأساليب الرخيصة والغالية الكلفة التي تستلزم عقولا اجرامية لاستحضارها ، هل من المعقول أن يستعين حاكم عربي بثلل من المجرمين والمساجين للدفاع عن حكمه وبقائه باستخدام السيوف والخيول والجمال ؟ هل من المعقول أن يعتدي على المتحف الوطني بما فيه وينهب محتوياته لتبرير بقائه؟ ألا ساء ما فعل وبئس ما قاده تفكيره إليه.

    •المتابع لسير الأحداث يتوقف عند نقطة بالغة الأهمية وهي ضياع حدث تفجير كنيسة القديسين الذي جرى قبل فترة وتجاوزه من قبل فئات المجتمع ولذلك ترى المصري المسلم يقف جنبا الى جنب مع المصري المسيحي في التظاهرات وهذا يدل على أمرين هامين أولهما وجود مستوى راق جدا من الوعي وتجاوز الألغام الطائفية والدينية التي يحاول النظام زرعها للنشوء عليها ، وثانيها أن مؤشر الفعل يتوجه نحو النظام ذاته وليس لأي طرف خارجي .

    •سير الأحداث ينبىء بأن شخص الرئيس انتهى بتوقيع حلفائه – وطبعا هنالك عبرة لمن يفهم – ومستوى الأهداف التي قد تحققها هذه الأحداث والجماهير الغاضبة سوف يتوقف ليس على سقوط بوش الثاني بل على طبيعة الوجوه الجديدة التي سترث المشهد المصري ودوره الاقليمي وطبيعة الفكر الجديد الذي سوف تتبناه.
  • »مفارقة (ابو خالد)

    الخميس 3 شباط / فبراير 2011.
    كلنا نذكر نصيحة مبارك للرئيس الراحل صدام حسين عندما اعلنت اميركا عزمها احتلال العراق وتغيير النظام فيه بالقوة ,اذ نصح وقتهامبارك الرئيس الشجاع صدام بتجنيب بلده الدمار بأن يترك الحكم ويغادر.وها هو الزمان يعيد نفسه ولكن هذه المرة الى مصر ,فلماذا لا يحترم مبارك نصيحته الذهبية ويغادر هو ويجنب شعبه وبلده القتل والدمار؟
    تقول ان نتنياهو هو الوحيد الذي يسند نظام مبارك وهذا صحيح ولكن ما اود اضافته ان نتنياهو هو الديمقراطي الوحيد الذي يسند مبارك لخوفه على اتفاقيات كامب دايفيد التي كان مبارك حارسا امينا عليها,كم شعرت بالغيظ والحنق عندما اشارت صحيفة هأرتس الاسرائيلية بأن اسرئيل سمحت لمصر بخرق اتفاقية كامب دايفيد بسماحها لمصر ادخال 800 جندي الى سيناء!! مصر تأخذ موافقة اسرائيل لتحرك 800 جندي الى سيناء وطبعا ليس للهجوم على اسرئيل بل للمساعدة في تثبيت هذا النظام الدمية.مصر لم ترى الخير منذ ان انقض الجيش على النظام الملكي في مصر وحوله الى جمهورية,نكن الاحترام لعبد الناصر رغم كل هزائمه لأنه على الأقل مات فقيرا ولكن من جاءوا بعده حولوا مصر الى شركة كما تقول انت .يوجد مساندين اخرين لمبارك خلاف نتنياهو ,وهم من شاكلته,ولكنهم لا يستطيعوا الجهر بمشاعرهم خوفا من شعوبهم التي تتململ على وقع الايقاع المصري والتونسي.ال Domino Effect بدأ بتونس وها هو بمصر ولا نعرف غدا اين سيكون ولكن لا زال هناك متسع من الوقت للبعض الذين استبقوا هذه الظاهرة واعلنوا انهم لن يترشحوا لا هم ولا ابنائهم.امام الأمة العربية شعوبا وزعماء فرصة لأعادة كتابة "عقد الحكم"ما بين الشعوب والزعماء ,فقد مل الناس من الاستهتار بهم وملوا من رؤية بلادهم وقد اصبحت شركات خاصة للزعيم واولاده واقاربه وحاشيته بينما هم يلهثوا خلف لقمة العبش ,التي جعلوها عسيرة المنال.
  • »سيسجل التاريخ (رزان حمزة الزعبي)

    الخميس 3 شباط / فبراير 2011.
    اشكر الكاتب ياسر ابو هلاله على هذه المقالة الاكثر من رائعة . كانت بالامس انظارنا شاخصة على شاشة قناة الجزيرة نتابع بالم ممزوج بالكبرياء وقفة الشعب المصري بشبابه وشيوخه واطفاله ونساءه ضد هذه الهمجية الوحشيةالمخططة من قبل النظام وبلطجيته الذين عاثوا بالديار فسادً ،اعادونا الى عصر الظلمات في اوروبا ، اعادوا الى ذاكرتي صورة المغول عندما دخلوا بغداد ودمروها ،لكن هذا المشهد اقسى على النفس مما قام به المغول فاهؤلاء ابناء جلدتنا يتحدثون بلغتنا فكيف هان عليهم اخوانهم وكيف هانت عليهم مصرهم. اتفق مع الكاتب ان الثورة المصرية هي ثورتنا جميعا هي وسام على صدورنا جميعا ، هي المجد الذي طالما انتظرنه وحلمنا به ستبقى هذه الثورة زادنا الذي نتزود به. ان المشاهد التي نراها واللوحة الرائعة التي رسمها شعب مصر شعب الاحرار بلونها الاحمر القاني ستبقى بالذاكرة ولن تمحى لانها موثقة بكل تفاصيلها بكل لحظاتها بثوانيها بكل همسات الشعب المصري بكل نقطة عرق وقطرة دم ذرفها شعب مصر العظيم على ارضها الطهور على ميدان تحريرهم وكرامتنا سيسجلها التاريخ بكل فخرا واعتزاز .
    عاش شعب مصر عاش شعب مصر عاش شعب مصر