محمد برهومة

بين "الكلام الفارغ" ومنع الانهيار

تم نشره في الأربعاء 26 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

نقلت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن مروان المعشر، في تعليقه على التحرك الشعبي الذي أطاح بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي قوله إنّ من يعتقد بأن ما جرى كان مسألة حول الأسعار والبطالة لا يستوعب ما يحصل، فالرأي القديم بشأن إمكانية التحكم في أيّ بلد من خلال التنمية الاقتصادية وجهاز أمني قوي تقوّضَ بشدة. كلام المعشر هذا يأتي في سياق حديث الصحيفة عن أنّ ما حدث في تونس أشعلته البطالة، لكنّ الزخم الأكبر جاء بسبب خنق جميع أشكال حرية التعبير والجشع الاقتصادي لأسرة ليلى الطرابلسي، قرينة الرئيس المخلوع.

والحقيقة أنّ المسألة فيها قدر كبير من التعقيد والتركيب، فهل ما يدفع الناس لتحدي قمع السلطة في واقعنا العربي البطالة وارتفاع الأسعار واتساع الفقر أم الفساد الإداري والسياسي والمالي؟ وهل ما حرّك الناس في تونس السياسة أم الاقتصاد؟ هل انتفض التونسيون بالدرجة الأولى غضباً على سوء أحوالهم المعيشية والمطلبية أم غضباً على القمع وشح الحريات واحترام حقوقهم السياسية؟ لماذا أصرّ كثير من أفراد الشرطة التونسية، وهم ينضمّون إلى أفواج المتظاهرين والغاضبين، على القول إن ما يريدونه تحسيناً لأوضاعهم المطلبية وليس الانخراط في العمل السياسي؟ وإذا كانت العلاقة وثيقة بين الاقتصاد والسياسة، فلماذا كانت بداية التحرّك في تونس تتم بصورة فردية وعبر توظيف التقنية الرقمية والتكنولوجية والاتصالات بعيدا عن الشعارات الحزبية والأدلجة والقضايا الكبرى، فالتحرك الشعبي الفردي والعفوي والسلميّ هو ما خلق الزخم ثم لحقت الأحزاب به؟

هذه الأسئلة وغيرها كثير بحاجة إلى حوار موسّع يستهدف الوصول إلى أنّ الحديث عن "وصْفة" تونسية للحلّ ربما يكون فيه قدر عالٍ من التعميم وعدم ملاحظة اختلاف البيئات والظروف والحيثيات بين بلد عربي وآخر. وقد تشبّه كثيرون بالبوعزيزي لكنهم ما أشعلوا شرارةً ولا أنتجوا واقعاً أفضل مثلما فعل البوعزيزي في بلده. وما يصلح في تونس قد لا يصلح لغيرها. ومثل هذا الاستنتاج أو الرأي ينبغي ألا يكون هروبا من مواجهة الحقيقة والاستحقاقات، وألا يكون تماهياً مع نُخب سُلطوية تسعى إلى تصوير ما حدث في تونس وكأنه "حالة استثنائية"، ولعلّ هذا مضمون ما قاله وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط حين وصف الحديث عن "عدوى تونسية" للدول العربية بأنه "كلام فارغ"! ولعل أكثر الدروس رداءة أنْ تستنتج حكوماتنا العربية من الدرس التونسي ما يتمتم به البعض وهم يهجسون في دواخلهم بأن ابن علي تأخر في قمع المتظاهرين، ما حفّزهم نحو المزيد!

الدرس التونسي يُستخلص منه عدم الاندفاع إلى "إسقاط" الحالة التونسية برمتها وتفاصيلها على كل بلد عربي، وكذلك عدم القول باستثنائية الوضع التونسي، فأمراض البطالة ونقص الحريات والديمقراطية وضعف كفاءة خطط التنمية وهشاشة بناء المواطنة ودولة القانون.. تكاد تكون بدرجة أو بأخرى خطوطا مشتركة لما تعانيه دولنا العربية ومجتمعاتها، وأيّ نجاح ولو جزئيّ في هذه المجالات من شأنه ربما منع الانهيار، وتنفيس الغضب والاحتقانات.

وقد قدّمت "فايننشال تايمز" مثالا على ذلك بالحالة المصرية، حيث ليس لدى كثير من الناس بسبب سوء الأحوال المعيشية ما يفقدونه، لكنّ السماح بقدر من تنفيس الغضب عبر سماح الحكومة بمساحة ما من الاحتجاجات وعن طريق إعلام يتمتع بحيّز من الحرية من شأنهما (ولو جزئيا وإلى مدى متوسط المدى على أبعد تقدير) أنْ يمنعا حدوث الأسوأ، وتبقى الحلول الشاملة هي المبتغى الأخير.

[email protected]

التعليق