هاني البدري

عامر شفيع.. الذَّود عن الحُلم

تم نشره في الاثنين 24 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

لعلكم تستغربون أن آخر عهدي بحراس المرمى في الأردن منذ أيام الدراسة هما ميلاد عباسي وباسم تيم. كانا اسمين تتوقف عندهما ألقاب وتهتز لهما نتائج، وتتمايل على قفزاتهما عشرات الآلاف من الجماهير. كلاهما ترك بصمة لا تنسى في تاريخ الفيصلي والوحدات.. وطبعاً المنتخب الوطني.

بعد ميلاد وباسم جاء مئات حراس المرمى الأردنيين، لكنني لم أحظ بمعرفتهم أو متابعة مواهبهم، لا لعيبٍٍ فيهم، ولكنها الأيام التي باعدت بيننا وبين الملاعب الخضراء، لنجد أنفسنا نغوص في ملاعب أخرى متعددة الألوان والمواهب والمطبات.. لكنها أبداً ليست بجمال ميلاد عباسي حارس الفيصلي الهمام وباسم تيم عملاق الوحدات في أوجه.

وسط الميدان، كانت أسماء كبيرة ومواهب لا تُحصى تلعب للأردن أيضاً وطناً وعلماً وحباً.. كلهم خبروا الحلم وعرفوا طعم الفوز باسم الأردن، وعشقوا الفكرة فاعتنقوها هدفاً ورسالة، فلم تُثبط هممهم الإمكانات وأرضيات الملاعب و"الترتان" والإصابات التي لم يتصد لها لسنوات طويلة سوى طبيب متخصص واحد. ولم تُضعف التجارب عزائمهم، بل كان الحلم رائدهم في البحث عن موطئ هدف يضعهم خطوة إلى فوق.

اليوم، يعود منتخب الكرة الأردني من الدوحة مثقلاًً بضغوط الأشقاء.. وبإمكانات المنافسين، يعودُ منتصراً بفكرة الحلم الذي وجد طريقه أخيراً نحو الحقيقة.. ويرجع مُحملاً بفضلي التفوق والاجتهاد.

ومن بطولة الدوحة الآسيوية وأداء منتخبنا أيضاً دروس، أولهما أننا لعبنا ضد منتخبات مُحترفة، تُغدِقُ دُولها بالملايين لتدريبها، لتجد أن منتخباً أردنياً محملاً بالحلم فقط يقف لها ولملايينها بالمرصاد.

بدأنا لأول مرة في تاريخنا نفكر بالمشاركة من أجل الفوز لا من أجل المشاركة التي أثقلتنا هزائم ما نزال ندفع ضرائبها إلى اليوم. ثم إننا لأول مرة في تاريخ تعاملنا مع المنتخب ننتصرُ لمنطق اللعبة، ونُدرك استدارة الكرة، ونفهم العبرة في اجتهاد الشباب وجهدهم.. فنستقبلهم كأبطالٍ لآسيا قبل ختام البطولة، لنؤكد معاً أن الحلم لم يتبدد بعد، وأن الدنيا لم تنته بخسارةٍ مشرفة (جداً) أخرجتنا من البطولة.

فهمنا اذن أن الدنيا كالكرة ربح وخسارة، لكنها أبداً لا تنتهي بصافرة. وأدركنا أخيرا أن صور الانسجام العالي الذي يَسِمُ لاعبي منتخبنا من كافة أنديتهم وانتماءاتهم هو الذي حقق لنا كل هذا، فلم نغضب للخسارة أمام أوزباكستان، تماماًً كما أننا لم نُدن التعادل الكبير أمام اليابان في اللحظة القاتلة، ولم ننس أن المشوار أطول بكثير من فوز على سورية والسعودية الشقيقتين.

أجمل ما في بطولة آسيا، أو بشكل أدق مباريات الأردن في البطولة، أنها عرَفتنا مجدداً كيف يرانا أشقاء عرب وكيف ينظرون الينا. معلقون عرب كبار تحدثوا عن دماثةِ الأردنيين في معرض تعليقهم (والتعليق الكروي يُعرفُ بأنه تفكيرٌ بصوت عالٍ). آخرون مثل الكبير عصام الشوالي كان يتحدث عن طيبة الأردن ومنسفه وجمال ناسه.. أما علي الكعبي الذي عشق عامر شفيع حارس الحلم الأردني وراهن على إمكاناته ومواهبه، مؤكداً فرصة حصوله على عروضٍ من أندية أوروبية، فقد تحدث طويلاً عن الأردن ولهجاته الجميلة.. ومهرجاناته الصيفية وعن تجربته في الأردن و"نظافته".

العرب "الكبار" تغنوا بأداء النشامى، وعشقوا حماسة الشباب، وعرضوا حتى في استديوهات تحليلهم الكروية روح الفريق الواحد الذي وشم المنتخب الأردني حتى ظهر الفريق وكأنه عقلٌ بأحد عشر لاعباً.

أما أنا فدعوني أبدأ من حيث انتهى شباب المنتخب. ما حصل في الدوحة منذ فوز سمو الأمير علي بن الحسين نائباً لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وحتى مغادرتنا بعد أداءٍ جماعي رائع، يبدد كل الأوهام الداخلية الصغيرة، ويفند التعنت في دواخلنا، ويهمسُ فينا بأننا أكبر مما نعتقد.

ثم إن ما تابعه ملايين المشاهدين والجماهير في آسيا والعالم من هذا العملاق الذي امتلك زمام الردِ والصد عن مرمى الأردن على مدار مباريات آسيا 2011.. عامر شفيع، يشهد مثلي ومثل الكعبي والشوالي ويوسف سيف وكل المحللين والمراقبين أن الذود عن الحلم الأردني وحراسة عين البلد أكبر بكثير من مجرد مباراة كرة قدم.

عامر شفيع دعنا نراك قريباً في أوروبا مثل حراس كبار نحبهم، ومنتخبنا الرائع.. بني ياسين، منير، السلمان، بهاء، شادي، عبدالحليم، عامر وعبدالله ذيب، حسن، أنس، وأبو كشك، والشقران الجديد.. كلكم دعونا نراكم بهذه الروح دائماً.

[email protected]

التعليق