إبراهيم غرايبة

لأجل تجمع وطني للإصلاح والتنمية

تم نشره في الأربعاء 19 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

ربما يكون أهم ما كشفت عنه الأحداث التي جرت في تونس، كما جرت من قبل في جمهوريات الاتحاد السوفييتي "الثورة البرتقالية" وفي أميركا اللاتينية، هو نهاية البرامج الأيديولوجية وصعود المطالبة بالعدل والإصلاح على قاعدة مجتمعية لم تعد تثق بالنخب السياسية، سواء كانت في الحكومة أم المعارضة. ولم يكن ما حدث مفاجأة، بالنظر إلى ما حدث في دول كثيرة في العالم، بل إن المفاجأة كانت استمرار استثناء الوطن العربي من هذه الموجة، ويبدو أنها وصلت أخيرا.

نلعب في الوقت الضائع إذا واصلت الحكومة والأحزاب والنقابات استحضار وسائلها القديمة وخطابها المعتاد، فلم يعد من ذلك شيء يمكن ان يقنع الناس، ويشمل ذلك أيضا حكاية "الإسلام هو الحل"، وما نحتاج إليه هو عقد اجتماعي جديد ينشئ استراتيجية وطنية للإصلاح والتنمية تتشارك فيه السلطة التنفيذية ومؤسسات المجتمع والقطاع الخاص وجميع المواطنين.

وتتجادل في هذا الإطار التيارات السياسية والاجتماعية وتتفاعل على أساس من الاتجاهات والبرامج والأفكار المؤسسة ابتداء على تحسين الحياة وتحقيق التقدم وتصحيح العلاقة بين الموارد والأعمال والأنظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، على النحو الذي يرتقي بالعدالة والحرية والحياة الكريمة والإنتاج والرفاه.. وهي في ذلك تراوح بين ليبرالية ترى السوق تنظم نفسها بنفسها، وأن الثقافة والمجتمعات تشكلها الأسواق والدول، أو "محافظية" ترى الأنظمة السياسية والاقتصادية تعبيرا عن الثقافة والمجتمعات السائدة، أو ديمقراطية اجتماعية تسلك نحو العدالة الاجتماعية متطرفة في هيمنة الدولة وتجاهل المبادرات الفردية، أو معتدلة تراوح بين الدولة والمجتمع والفرد والسوق، فتخفق أو تنجح في التوفيق والاستيعاب، أو تجنح نحو اليمين أو اليسار، أو تلفق كما في الصين بين ديكتاتورية سياسية وحرية اقتصادية، أو تبدع كما في الهند والبرازيل بين ليبرالية سياسية واشتراكية (نسبية) اقتصادية.

لقد حصلنا بفعل غوغائية وغيبوبة التيارات القومية والدينية على تحالف مقصود أو غير مقصود بين الحكومات والمعارضة حقق لنا توليفة مرعبة بين حرية السوق وتأميم السياسة وظلم المرأة والمجتمعات والفقراء والأقليات، وإلغاء الثقافة والفنون... وشيء قليل من الاحتفال بذكرى المولد النبوي ومقاومة التطبيع!

وحيل دون نشوء تشكل سياسي واجتماعي وثقافي للتيارات والطبقات والجماعات والمجتمعات على أساس تقديرها لأولوياتها وأفكارها وبرامجها المفترض توافقها مع هذه الأولويات والاحتياجات، وتحوّل التنافس والصراع من كونه بين دور الدولة والسوق أو على الحريات والعدالة أو الحقوق العامة والسياسية، أو توزيع الضرائب والموارد إلى صراع لا ناقة لنا فيه ولا جمل، ولكنه برغم ذلك يعطل الحريات والعدالة، ويغطي على الفساد والاستبداد، ويؤجل الديمقراطية.

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الوعي بالمخاطر هو بداية ادراك الطريق (amal alkhaledy)

    الأربعاء 19 كانون الثاني / يناير 2011.
    يبدو ان مجرد تفاقم الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية ليس هو ما يدعو الفئات المتضارة للتحرك دفاعا عن مصالحها وانما هناك العديد من العوامل المتقاطعة المتفاعلة يجمع بينها خيط فكري واحد ويشكلها هو البحث عن الافكار المحركة والمؤثرة في عملية الاصلاح
    ويرد منظرو الاصلاح والتنمية البشرية ان التجدد الحضاري بما يحتويه من التزام بالقيم العليا واكتمال التنمية وسلامتها باعتبار ان الانسان هو المبتدأ والحضارة هي الخبر مما يشكل رافعة عملاقة جعبتها العليا بين قيم العمل المعاصرة والرهان على تحقيق العدالة الاجتماعية
    لعل اول ما يقتضي الاقرار به والبناء عليه هو القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني في الاستجابة لهذا التحدي ذلك القطاع ومن وراءه الحكومات بما تحتويه من غرف التجارة والصناعة والزراعة ان يلعب دورا مفتاحيا على الصعيد القومي من خلال مؤسساته البحثية فهو مدعو الى وضع دراسات تقويمية وتوجيهية للارشاد
    والمشاركة في سد الثغرات الادارية والتشريعية التي تعوق الاستثمار وتوفير الدراسات الاحصائية اللازمة لتحقيق المطلب الاقتصادي الذي تبرره وتسوغه وتحفز عليه القوى الوطنية وحاجتها الماحة الى فرص وقدرات استثمارية طيبة وواعدة
    مع الاخذ بعين الاعتبار ان مجرد نجاح التجمعات الوطنية في اقامة اساس لديموقراطية ذات معنى لاصلاح اجتماعي يهددان امتيازات اهل الثراء والنفوذ صحيح ان بعض الظن اثم ولكن كل الظن
  • »استحضار الثورة التونسية بروعة وإفادة (برهان رباني)

    الأربعاء 19 كانون الثاني / يناير 2011.
    منذ حدوث الثورة المشرفة في تونس والمقالات انهالت مدحا وثناء ودردشة فارغة أو شبه فارغة في الشأن التونسي وتداعياته
    بصراحة أجد الكاتب في مقاله قد أجاد توصيف المسألة ووضعها في إطارها مستبقا الأمر على من يعتبر ما حدث في تونس إنجازا للحركات الإسلامية والقومية ومخاطرا في نفس الوقت باستفزاز الذين يهبون للدفاع عن القبيلة الدينية أو القبيلة الحزبية أمام كل من يجرح هيبتها بالنقد أو المناقشة
    شكرا على الشجاعة وعلى التجلية الجميلة لخطورة الوضع ومنابعه ومصائره
  • »مجتمعات متماسكة بقوة الفرد (أحمد عزم)

    الأربعاء 19 كانون الثاني / يناير 2011.
    السؤال الحائر الآن، وأقصد بالآن، عصر الأفراد ونهاية الأيديولوجيا... هو كيف يمكن إيجاد قنوات لتفعيل الأفراد فيه وإعطاءهم قنوات للتعبير والفعل والتأثير؟ بغض النظر عن الحزبية وغيرها... ودون القادة الذين يريدون أن يكونوا أقرب للتأليه...
    الحل بسيط هو دولة مؤسسات وديمقراطية، بعيدا عن القبلية، (بأنواعها التقليدية، والحزبية، وحتى الفكرية)، بمعنى إعادة فك وتركيب المجتمع. من كونه وحدات تقوم المكانة فيها على توارثها، وتقوم على الميلاد إلى مجتمعات الجدارة والكفاءة وتساوي الفرص... ومجتمعات الفرد الفاعل،ك كل في موقعه دون السعي إلى لعب دور البطولة المطلقة، دائما...
    ما هو غير بسيط، خصوصا في عالمنا العربي، كيف نصل لذلك..؟
    في تونس هناك فرصة سانحة أساسها حملة شعبية عارمة... غيّرت أو قد تغيّر النظام (وقد لا تغيره). وإذا لم تقم ثورة مضادة تفرغ التحرك من مضمونه، يمكن أن يصبح ما حدث في تونس مثال تاريخي حيوي، على ثورة الأفراد الذين يصبح كلٌ منهم قائد في موقعه، يقف على ثغرة من ثُغر الحياة الإنسانية... والمواطنة...
    ويمكن البناء على هذا الإنجاز في دول عربية أخرى في نهج إصلاحي تدرجي... فيه قوة الشعب التي أعطت تونس إنذارا بوجودها...
    أما عن "تشكل سياسي واجتماعي وثقافي للتيارات والطبقات والجماعات والمجتمعات على أساس تقديرها لأولوياتها، وأفكارها وبرامجها المفترض". فربما المطلوب التقاء الأفراد في حملات مطلبية متغيرة ومتبدلة... يقودهم أفراد ناشطون... يمكن أن يكونوا بحد ذاتهم متغيرين من حملة لأخرى.. لتثبيت المؤسسية التي تمنح الفرد حرية النشاط والحراك، وحرية تشكيل جماعات وحملات الضغط المختلفة التي قد تلجأ إلى الضغط على مجالس التشريع... والحكومات... عندما يحتاج الأمر الدفاع عن قضية ما... وأن تلجأ للقضاء عند الاضطرار...
    هذا قد يقود بالفعل لتيارات ولكن ليس بالضرورة ذات بعد مؤسسي حزبي دائمي... بل أفراد ومجموعات يجمع بينهم فكرة هنا فيعملون لها... ويفترقون حول فكرة هناك... فيتناقشون بشأنها... ويحكمهم صندوق الانتخاب والقدرة على خوض الحملات المختلفة..
    إذا المطلوب إعادة تشكيل المؤسسات الاجتماعية... وأول مؤسسة يعاد تشكيلها هي العائلة، حيث تقوم بدورها التعليمي والتربوي والاجتماعي... ولكن لا تكون مصدر القوة والفرص في الدراسة والعمل والترقي في المجتمع.. ثم يتمتع الأفراد بالحرية وتكافؤ الفرص... ويتفاعلون مع الهم العام... فيصبح البرلمان محور نقاش الأفكار والرؤى... يتفاعل الأفراد معه... بعيدا عن النهج الرعوي البطريركي الخدماتي...
    ربما ننشد عصر المجتمعات الحيوية النشطة المتماسكة دون أن تخنق أفرادها... وعصر الفرد الذي لا يزر في الحياة وزر وازرة أخرى بسبب أمور لا يد له فيه... ولا يوجد فيه فرد ولد وبفمه ملعقة ذهب...