لماذا لم تكتب خاتمة الثورة يا "شاعر الثورة"؟

تم نشره في الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

مات صلاح الدين الحسيني!
مات شاعر الثورة الفلسطينية، يوم كانت ثورة!

مات مؤلف فاتحة الثورة "بسم الله.. بسم الفتح.. بسم الثورة الشعبية.. بسم الدم.. بسم الجرح اللي بينزف حرية.. بسمك بسمك يفلسطين.. أعلناها عالملايين...!".

مات صلاح الدين، بصمت، كما أكمل مشوار الحياة بصمت، بعد أن صمتت أصوات البنادق من قبل!

آثر أن يرحل صلاح الدين من دون أن يودع أحدا من "رفاقه" القدامى، لأنه ودعهم فعليا، منذ عقدين من الزمان، أعني منذ تحولت الثورة إلى "ثروة" في جيوب الرفاق الذين باعوها بالعملة الصعبة على طاولات المفاوضات!

مات صاحب أغنية "ما بنتحول.. ما بنتحول يا وطني المحتل.. هذي طريقنا واخترناها وعنها ما بنتحول".. مات فعليا بعد أن خذلته نبوءته وشاهد الرفاق وقد "تحولوا" كليا، عكس عقارب الثورة، عن كل مبادئهم ومعتقداتهم إلى طريق آخر لا يوصل إلى فلسطين، بل إلى البنوك والمصارف، والبيت الأبيض، وكنيست العدو لأداء فروض الولاء والطاعة.

مات صلاح الدين بعد أن أدرك أن الثورات لا تأكل أبناءها فقط، بل تأكل شعراءها وشهداءها أيضا!

وهل كان رحيل محمود درويش إلا احتجاجا على الثورة التي "أكلته"، أيضا، حين رأى بنادقها تتحول إلى صدر الأخ والرفيق، فاختار العزلة الطوعية، يبحث في قصيدته عن "فلسطين" أخرى، غير التي عاد إليها "الرفاق"!
وهل كان موت أمل دنقل من قبله، إلا بعد أن خذلته قصيدته "لا تصالح"، فشاهد سادته يهرعون للصلح الأشبه بالهزيمة، فآثر أن يموت كمداً هو الآخر؟

والمشكلة يا صلاح الدين أن "ثورتك" أكلت أبناءها حتى قبل "التحرير"، أكلتهم في الطريق، قبل أن يدركوا أن نهاية الطريق ستكون "وطنا" للفاسدين، الذين كان أول ما فكروا فيه عقب التحرير أن يقيموا "كازينو للقمار" قرب اريحا! تخيل أحلام هؤلاء الثوار وأهدافهم النبيلة يا صلاح الدين؟ 

وهل عاد "الرفاق"، فعلا إلى فلسطين، يا صلاح الدين؟ ربما، لكنهم لم يعودوا "فاتحين"، بل "محتلين" بهراواتهم، وسياطهم، وزنازينهم، عادوا ليحملوا عن المحتل الصهيوني، القسط الأوفر من قمعه وكبته لأبناء جلدتهم، الذين استقبلوهم بالورود وأكاليل النصر، فبادلهم "الرفاق" الورد بالسوط، والأكاليل بالعصي وفرق الموت و"الزعرنة"!، بدليل أن ثلاثة أرباع الشعب المحتل في فلسطين بات يخشى سلطته الحاكمة، ويخاف انتقادها، بحسب آخر استطلاعات الرأي المجراة هناك.

هل تصدق يا صلاح الدين أن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، الذي قاوم المحتل قرنا من الزمان بإرادة صلبة، وعزيمة من الصخر، وقدم آلاف الشهداء، وقاد انتفاضتين زلزلتا الكيان الصهيوني، تحول إلى شعب مسكون بالخوف والرعب من سلطته الحاكمة؟ ماذا فعلوا به يا صلاح الدين؟ ماذا قتلوا فيه بالضبط؟ بأي صنف من اليأس حقنوه؟  كيف حطموا إرادته وفعلوا ما لم يستطع العدو فعله؟ هل "أكلته الثورة" هو الآخر؟

سحقا للثورة التي تأكل شعبها يا صلاح الدين، وسحقا "للحرة التي تأكل بثدييها" حتى وهي متخمة بالمعونات الفاسدة، التي تدفع إليها بالبلايين لتنسى مبادئها وشهداءها وشعراءها!
فلسطين أصبحت أبعد، "بفضل الثورة"، يا شاعر الثورة! فلماذا لم تقرأ المستقبل قبل أن "تهدر" موهبتك الشعرية كلها لقاء سراب خاله المنفيون ماء، والشهداء نصرا، والمخدوعون فجرا؟ لماذا تعين على كل هؤلاء أن يصدقوا كلماتك، ومنهم من كان يقاتل ويموت وهو يسمعها؟

لماذا لم تقل لنا إن "رفاقك" كانوا في الأصل تجارا لا مناضلين، وبأن "قواعدهم" كانت مجرد "دكاكين" يباع فيها دم الشهداء بالكيلوغرام؟

لماذا لم تكتب يا مفتتح نشيد الثورة خاتمة الثورة قبل أن ترحل، وقد كنت تعلم أنها ولدت ميتة؟ لماذا لم تكتب عن سوء الخاتمة والمنقلب لرفاق "الذهب"؟

لماذا لم تكتب خاتمة الثورة يا شاعر الثورة؟

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الله يقويك يا باسل (hamzeh)

    الاثنين 30 كانون الثاني / يناير 2012.
    ممتاز يا ابو عمر ولا تغيب عنا انت و مقالاتك الحلوة
  • »ترك الخاتمة لنا (م. فتحي ابو سنينه)

    الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2011.
    شكرا اخي باسل على تذكيرنا بضمائر شعبنا وضمائر هذه الامه.

    لم يكتب الخاتمه ولن يكتبها , فنحن والله نعرفها فهو ترك لنا ان نكتب هذه الخاتمه .
    نعم سيكتب الشعب الخاتمه لان البداية والنهاية له ولا يستطيع اي كائن ان يصادرها منه. المهم عدم الانتظار بل السير والركض لادراك هذه الخاتمه السعيده,
    المهم ان ندفع الثمن والمهر .ولا اغلى من الارواح والدماء ثمنا للخاتمه التي ارادها.

    كلمات رائعه للاخ خالد الشحام وبقية القراء .

    شكرا مرة اخرى
  • »قضية مقدسة (لورا)

    الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2011.
    كانت الثورة و القضية الفلسطينية تتصدر نشرات الأخبار في الأول و الأن في آخر الأخبار..و كانت القضية مقدسة و عادلة بالنسبة لي و لكن بعد النزاعات و قيام سلطة في غزة و سلطة في رام الله أصبحت الناس ساخطة على هذا الوضع المهين، و نأمل من ثورة تونس الرائعة أن تعيد الحماس في أسياد المقاومة فلسطين و في نفوسنا العرب جميعا
  • »شكرا (ايمن)

    الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2011.
    اشكرك لتزكر شاعر كبير واللتوقف والكتابة عنة بعد وفاتة
    فلقد كتبت لتوصف الواقع كالعادة باسلوبك المبدع ونحن لانملك الان ال ان ننشئ جيلا جيد من اطفالنا مؤمن بقيم الثورة التي ادندثرة
  • »منشد الثورة ما زال هناك (خالــد الشحــام)

    الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2011.
    أستاذنا الكبير باسل .. عملاق في كتاباتك وإن كنا لا نعلق عليها فنحن نتابعها قسرا .
    اليوم أجبرتني أن أعلق لأن مقالتك اليوم هي الأبرز في كتابات كل من كتبوا وأنت صاحب الحدث ، فاسمح لي بأن أكمل بإضافة هذه الكلمات لما أوردت :

    فلسطين يا صلاح الدين هي الان على بعد ألف اتفاقية أو ما يزيدون
    هي الان ذاهبة في سفر التكوين الخامس والخمسين بعد الألفين
    فلسطين اليوم في عزاء الذين كتبوا لها سيرة الألف ثورة وانتفاضتين
    ورسموا لها خطوط الثوب الباقي على جدران منازلنا وفي ذات الكلمات التي نموت عليها
    فلسطين يا صلاح الدين هي أم العروسة التي اغتصبوها يوم سقطت بغداد مسقط رأسك
    ويوم ركب الخارجون عن القانون سدة الحكم في سبيل قصر من الكرتون المستورد
    يزينون به شجرة زيتون عمرها ألف سنة تقبع في الكرمل
    منشد الثورة لم يمت يا أصحاب السيادة والبذلات الوردية والآزهار البلاستيكية
    لقد حاولتم أن تمسحوا كلماته من الهواء ومن خلايا الأشجار و لكنه استعصى على طالوت وجنده
    منشد الثورة ما زال يقبع في قلوب الملايين الحانقة والغاضبة تحت ستار العيش المهين والعيش الكريم والعيش بين ضفائر حبيبته المسجلة في بطاقات الأزل الخالد
    منشد الثورة ما زال يردد الشيخ قال بلا دموع وبلا أنين من الحنايا والضلوع ولدي شهيد
    منشد الثورة لم يضع خاتمته لهؤلاء الذين باعوا قبور أجسادهم الميتة لأجل يوم أخر من الحياة في مسرح الدمى ولأجل ثمرة أخرى من الشجرة الملعونة
    منشد الثورة ما زال هناك يا صلاح الدين ينادي في ملكوت الباقين ويمتنع عن قلوب الزائلين