محمد برهومة

لأنها لا تُعاشُ كما يُشتهى!

تم نشره في الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

"حين تبدو السماءُ رماديّةً، وأَرى وردة نَتَأَتْ فجأةً من شقوق جدارْ، لا أقول: السماء رماديّةٌ، بل أطيل التفرُّس في وردةٍ، وأَقول لها: يا له من نهارْ!".

هل هذا أملٌ أم سلبية وتحايلٌ على الذات والأشياء؟ وهل الإيجابية تنطوي على قدْر باذخٍ من التحايل والمناورة؟ هل في الأمر جذب للطاقة الإيجابية عبر إعادة تعريف الأشياء وعدم الركون إلى ظاهرها المخادع؟

إذن، فالأمور تبدأ من العين الناظرة وهي تتفاعل، ولعلّ أول ما يقفز إلى الذهن عند قراءة شعر محمود درويش الذي بدأت هذه المقالة به هو التعلّق بالأمل، ومقاومة التشاؤم والإحباط، عبر القول إن ثمة بياضاً في اللوحة إلى جانب ما تنطوي عليه من سواد. لكنّ الذهاب إلى مستوى أكثر عمقاً وتعقيداً في هذه اللعبة، يلفت إلى أن ثمة تحايلاً على الذات والأشياء لجعل المسائل محتملة، ومنه القول لولا السواد ما ظهر جمالُ البياض في اللوحة، ومنه القول: لا تركّز على رمادية السماء، وتفرّس في مشهد الورود المبثوثة في غير مكان وناحية.


ويقدّم بعض الروحانيين درساً في اليقظة الروحية بالقول إنك لن تتمكن على الأرجح من الاستمتاع بتغيير إحدى عجلات سيارتك ليلاً وسط مكانٍ ناءٍ وتحت سيل من المطر، لكن يمكنك فعل الأمر بقبول. وذلك لأنّ أداء عمل ما في هذه الحال يعني أنّك في سلام بينما تفعله. وهذا السلام هو ذبذبة طاقة خفية تتدفق إلى ما تقوم به، وفي ظاهره سلبية، لكنّه فعّال وخلاّق في الواقع.

يتسلل الإجهاد إلى النفس، وتفتقد الأشياء معناها وجدواها، حين نتوقف عن إعادة تعريف الأشياء، وإسباغ "ذبذبتنا" الداخلية عليها. والتوتر يربح، برأي إيكهارت تول، صاحب كتاب "كيف تكتشف مغزى حياتك"، حين تريد بلوغ الهدف أكثر مما تريد القيام بما تقوم به، فتصبح مضطرا إلى الكفاح و"العمل بشدّة" لكي تبلغ هدفك. ولأنّ لا أحد يمكنه العيش متحمساً طوال الوقت، يستلزم الاتكاء على رصيدٍ من الحوار العقلي الداخلي مع النفس، لإعادة تعريف الأشياء باستمرار، عبر "فضيلة" التحايل، التي تجعلك منشدّا إلى روعة الوردة أكثر من انشدادك إلى رمادية السماء.

أنْ تحلم، يعني أنك ترعى "ذبذبتك" الداخلية، وتحشد طاقتك وحماستك، وتذهب بعيدا في التحايل والمناورة وإعادة تعريف المسائل ورشّ بهارات داخلك عليها، وهي لعبة لا تنتهي. تحايلْ على أحلامك، كما تفعل الشاعرة اللبنانية جمانة حداد: "أنْ أقطفها أحلامي حلماً حلماً وأنْ لا أجمعها لئلا يعتقد القلب أنه سينام عليها. أنْ أتركها تذهب لئلا تعتقد أنّي قبضتُ عليها. أنْ لا أتركها تذهب لئلا تعتقد أنّ المكان الضيّق لن يتسع لها". إنها المناورة التي لا تنتهي، وهي المؤونة لحياة لا تُعاش كما يُشتهى!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل الانسان مسير أم مخير ؟ (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2011.
    انا لا اجد فرقا بالتغزل برمادية السماء ، وتغير عجلة السيارة وسط الأجواء غير عادية لسبب بسيط فأن الوردة التي شقت طريقها من الصخور ورمادية السماء امران طبيعيان يمكن ان نمر عليهما دون ان نعيرهما اي اهتمام .اما تغير عجلة السيارة أمر فرضي لا بد من فعله سواءا كانت الأجواء الطبيعية وغير الطبيعية تسمحان بذلك.ان التشبه باقوال جمانة حدادفي الأحلام والتحايل تنقلك الى الحياة الفوضوية والتي تضع الغرائز الجنسية فوق اي اعتبار .نحن قبل ان نتسابق مع الزمن نتسابق مع انفسنا .واحيانا احلامنا الدنكشوتيه تكون تعبيرا عن احلام تفتت مع طلوع الفجر ، ونحن عائدون من طواحين الهواء .نحن نحلم اذن نحن احياء .نحن نتحايل لآننا نكذب على انفسنا قبل أن نكذب على الناس .الصدق في الأنسان صفة طيبة .هل عدم الصدق في الحالات كلها مبررات لنهرب من واقع ما ؟ام اننا نحمي انفسنا من عدالة مفقودة في المجتمع .لماذا تلجأ الى التعذيب لنعترف ؟وهل عدم الاعتراف هو نوع من التحايل ؟فنحن نولد بحاسة الخوف ، ربما نهذبها ، وربما نجعلها تطول في حياتنا..حتى طواحين الهواء تكسرنا بعد أن تكسر سيوفنا والرموح التي نحارب بها ...هذا تحايل على شجاعة الأنسان لكنه حلم
  • »حيارى (يوسف العواد)

    الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2011.
    اشكر الكاتب على هذا المقال الجميل المفعم بالرومانسية والامل.ما احوجنا في هذا الزمان الصعب ان نتامل داخل نفوسنا لكي نكتشف بعضا من خباياهاالتي يكمن فيها الامل والمعرفة والحكمة.قال احد العلماء وتزعم انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر.صحيح اننا نتلقى المعرفة عن طريق حواس السمع والبصر.ولكن كثيرا ما تخوننا هذه الحواس حين نرى ان الامور تسير عكس ما نسمع ونشاهد.لا بد ان هناك طريقا اخر فهمه قلة من البشر الحكماء انه طريق البصيرة الذي يقود الى منابع الحقائق والتي تجعل من اصحاب السمع و البصر حيارى.