"منتدى المستقبل" في زمن الركود الديمقراطي!

تم نشره في الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

لم يعد ثمة شك في أن الإصلاح السياسي في العالم العربي دخل في استعصاء مزمن إلى الحد الذي وصلت فيه قناعة الكثير من الفاعلين في الحقل العام، عدا عن المراقبين، إلى أن الإصلاح السياسي وكذلك الدمقرطة ربما فاتت فرصتهما في منطقتنا، إذ مرّ أكثر من عقدين على محاولات تحقيق تحولات سياسية ذات طبيعة ديمقراطية، لكن الحصيلة العامة لم تتجاوز إدخال تحسينات جزئية، أو ديكورية، وفي مجالات لا يمكن أن تحقق اختراقات جوهرية أو نقلات بنيوية في الأنظمة السلطوية العربية.

في هكذا مناخات يبدو انعقاد منتدى المستقبل السابع في الدوحة، العاصمة القطرية، ما بين 11 و13 كانون الثاني (يناير) الحالي، حدثاً نافلاً، أو خارج السياق الواقعي لمجرى الأحداث في الشرق الأوسط الكبير (هكذا يطلق على العالم العربي والشرق الأوسط المسلم في السياسة الأميركية). وللتذكير، فإن منتدى المستقبل هو حصيلة مبادرة أطلقتها الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى، في سي آيلند بولاية جورجيا، العام 2004، التي استضافت قمة مجموعة الدول الصناعية الثمانية، بحضور عدد من دول الشرق الأوسط، وأعلنت المجموعة خلالها عن التزامها بدعم لإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية في منطقتنا.

وبموجب هذه المبادرة فقد تقرر أن يلتقي وزراء خارجية مجموعة الثمانية سنوياً، مع وزراء خارجية دول المنطقة، بحضور ممثلين عن المجتمع المدني والقطاع الخاص للحوار حول أجندة الإصلاحات في المنطقة. هذا، وتتولى واحدة من دول مجموعة الثماني وأخرى من دول الشرق الأوسط، في كل عام، رئاسة منتدى المستقبل والتحضير له، بعقد سلسلة من الاجتماعات والورش التي تناقش القضايا المدرجة على جدول أعمال المنتدى السنوي، وترفع توصياتها إليه عند التئامه في مستواه الوزاري.

غير أنه لم يعد خافياً على أحد المنسوب المتراجع لمردودية المنتدى، منذ انعقاده الأول في مراكش، العام 2004، وحتى دورته السابعة في الدوحة. ويفسر ذلك أن المنتدى ولد بعملية "قيصرية"، تحت ضغط الإدارة الأميركية، وتطبيقاً لرؤية الرئيس بوش الابن الخاصة بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. فقد وضع على مائدة قمة سي آيلند "كشكول" من المشاريع الإصلاحية، التي تقاسمت مجموعة الثمانية مسؤولية دعمها، ودخلت كل دولة صناعية في "شراكة" مع إحدى دول الشرق الأوسط، وتوليا واحداً أو أكثر من ملفات الإصلاح المطروحة على الإقليم.
وبكلمات أخرى، فإن هذه الشراكة لم تصدر عن رغبة مشتركة، أو تخطيط جماعي، لتطبيق الإصلاحات المطلوبة في الشرق الأوسط.

فمن ناحية، "جاملت" دول مجموعة الثماني الإدارة الأميركية، ولم ترد أن "تغرد خارج سربها"، في حين قبلت بعض دول الشرق الأوسط المشاركة في القمة على مضض، ورفض بعضها الآخر الانضمام إليها، أو اكتفى بالحضور مراقبا. ومع تعثر مشروع بوش لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، كان منتدى المستقبل يفقد زخمه وقوته الدافعة. والمعروف أن انتقال الإدارة الأميركية، قبل عامين، إلى الحزب الديمقراطي أثار توقعات بأن يراجع باراك أوباما سياسة سلفه الخاصة بدعم الديمقراطية في الشرق الأوسط، والتي يشكل منتدى المستقبل إحدى أدواتها الرئيسة، لكنه لم يفعل، وهكذا استمر التفارق المتزايد ما بين وظيفة منتدى المستقبل وواقع حال الإقليم المطلوب إصلاحه.

أغرب ما في الأمر أن المنتدى، رغم دخوله عامه السابع، فإنه لم يعرف الحد الأدنى من المأسسة، فلا توجد له ذاكرة أو عنوان، فهو مثل "حقيبة" تنتقل من يد مسافر إلى آخر من دون أن يعرف من هو صاحبها، أو ما هي محطتها القادمة. فعدم اليقين بشأن من يتسلم "عبء" استضافة المنتدى، ومن ينفق عليه يظل سيد الموقف حتى اللحظة الأخيرة.

لقد شاع تفاؤل ساذج في أواسط العقد الماضي بأن مجموعة الثماني، وبقيادة الولايات المتحدة، يمكن أن تشكل عاملا خارجيا فعالا لدعم الدمقرطة والإصلاح في دول الإقليم، ولتشجيع الحكومات على بناء شراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني. لكن الأنظمة العربية برهنت بدورها عن "صلابة" استثنائية في مواجهة الضغوط الخارجية، فضلا عن الضغوط المحلية، فيما يخص إصلاح هياكل الحكم ودمقرطة عملية اتخاذ القرارات، وكشفت هذه الأنشطة، من ناحية أخرى، عن "مهارات تكتيكية استثنائية" أيضاً في التعامل مع هذه الضغوط، تارة بالاستجابة الجزئية لمطالب الإصلاح، عندما لا تكون ذات صلة بصنع السياسة، أو من خلال تبني الآليات الديمقراطية مع تفريغها من مضامينها العملية.

ومن جهتها أظهرت الولايات المتحدة، وعموم مجموعة الثماني، نزوعاً قوياً للتساوم مع حكومات المنطقة في قضايا الإصلاح، فمن أجل الحفاظ على مصالحها في المنطقة، قبلت بذرائع هذه الحكومات، والتي تدعي بأن "الإصلاح والديمقراطية يعملان لصالح الإسلاميين والاتجاهات المتشددة"، وأن الأولوية هو للاستقرار الداخلي، والحفاظ على "نظام الأمر الواقع" وليس لديمقراطية محفوفة بالمخاطر. وهكذا تحولت المساعدة الغربية الخاصة بالديمقراطية، ومنتدى المستقبل واحداً من أذرعها، إلى أدوات لتكريس واقع الحال الإقليمي بدلاً من أن تكون عوامل مساعدة على تغييره.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الديمقراطية والاصلاح السياسي هو الحل (ohoud majaly)

    الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2011.
    شكرا استاذ هاني على هذه المقالة
    نعم ان الحكام في الوطن العربي مستأثيرين بالسلطة فعندما يتذوقون طعم الكرسي يصير من الصعب ابعادهم عنه
    النماذج كثيرة واخرها تونس التي تشهد انتفاضة شعبية وتذكر رئيسها بعد 23 عاما انه محاط بحاشية لم يكن يعرف ما يحصل للبلد
    خطاب استجدائي للشعب التونسي حتى يبقى في مقعده بعد ان هربت زوجته واولادهما من تونس ولننظر حولنا ايضا من مصر ام الدنيا الى اليمن الى سوريا التوريث وضع مبكي
    شكرا للغد
  • »معادلة الخبز والإصلاح ؟؟ (د.محمود أبو الرز-دارفور)

    الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2011.
    شكراً لصديقي البحاثة والمحلل السياسي المخضرم الاستاذ هاني الحوراني، على هذه القراءة الماتعة للموضوع ، راجياً السماح لي بهذه الإضافة من تحليل ذي صلة للبحاثة السوداني الدكتورعبد الوهاب الأفندي :

    *الطريف أن الأنظمةالعربية في مناوراتها للإستئثار بالسلطة تغير قواعد اللعبة كل مرة. فإذا انتفضت الشعوب طلباً للخبز كما حدث في في الثمانينات وهذه الأيام، فإن الأنظمة تطرح الإصلاح السياسي الشكلي بالقطارة كمناورة. أما إذا انتفضت الشعوب طلباً للحرية والديمقراطية، فإن الأنظمة تعرض الخبز والوظائف، وتبذل الرشاوى للنخب. وفي الحالين لا يحصل الشعب لا على الخبز ولا على الحرية، وإنما يفرض عليه اللهاث بلا انقطاع بين صفا الحرية ومروة الخبز، ولكن بدون تحصيل الأجر والثواب ؟

    *والأنظمة العربية وحلفاؤها الغربيون (وإسرائيل) تساهم من حيث (لا) تقصد في تفجير الانتفاضات ، لأنها تجتهد في تدمير أطر المعارضة الشرعية وقنوات العمل السياسي الطبيعي. وإنما يصبح الخبز هو الشرارة لأن الأنظمة كذلك تتعامل مع أفراد الشعب لا كمواطنين ، وإنما كمستهلكين، لأنها لا تريد دولة مواطنين وإنما مزرعة حيوانات لا مكان فيها للكرامة الإنسانية أو الحقوق. ولهذا السبب فإن تقصير الدولة في توفير الخبز يخل حتى بالمعادلة التي ارتضتها هي، وبالتالي ينهي وفاق الحدالأدنى معها..ويصب مزيداً من الزيت على جمر الإحتقان؟

    **
    أماآن أن يستوعب الجميع الرسالة ، وقد أصبح الخط بارزاً ومقروءاًً الآن على كل الحيطان وفي كل اتجاه ؟؟
    دام عطاء "الغد" لغدِأفضل!