"بودي جارد" حقوق الإنسان

تم نشره في الاثنين 10 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

في زيارة عمل لصنعاء قمت بها في نهاية تسعينيات القرن الماضي، ضمن وفد من الخبراء للمساعدة في بناء توافق وطني يمني حول قانون تشكيل اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات وآليات عملها، قابلت في بهو الفندق، صدفة، في اليوم الأول للزيارة أحد نشطاء حقوق الإنسان اليمنيين، وعندما سألته أن نلتقي ثانية في أحد الأيام المقبلة، اعتذر لي لأنه سيكون اعتباراً من اليوم التالي في رحلة عمل طويلة مع الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، تنقله من صنعاء إلى ماليزيا والصين واليابان. وعندما أبديتُ دهشتي لسبب مرافقة ناشط في مجال حقوق الإنسان والتنمية الديمقراطية للرئيس اليمني في رحلة عمل دبلوماسية، أفادني وهو يبتسم أنه يعمل الآن في حراسات الرئيس اليمني!

كنا في تسعينيات القرن السابق ندهش، لسذاجتنا، من كثرة الصراعات والانشقاقات في المنظمات غير الحكومية اليمنية، ومن "تفريخ" منظمات حقوق الإنسان المصرية وتنافسها على انتزاع زعامة الشبكات والتحالفات الناشطة في مجال الديمقراطية ومراقبة الانتخابات. ولم ندرك حينها أن موجة صعود منظمات المجتمع المدني كانت فرصة ذهبية للارتقاء الاجتماعي والصعود السياسي، وأن الدعم الغربي لنشر الديمقراطية يجتذب ليس فقط من ينشدون التغيير والإصلاح وإنما أيضاً، وربما أساساً، الذين ينشدون الطريق الأقصر للإثراء والبروز الشخصي.

وعودة إلى الناشط اليمني الذي فاجأني بأنه قد تحول إلى "بودي جارد" في فريق حراسة الرئيس، فقد تعجبت لدهشتي الأولى، فقد كان من حيث المواصفات الجسدية أكثر ملاءمة لوظيفة "البودي جارد"، وفكرت ثانية: أليس من المحتمل أكثر أن الناشط لم يغير وظيفته في الأصل، وإنما انتدب لعمل مؤقت ألا وهو المشاركة في تأليف منظمة غير حكومية، وركوب "موجة" الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبعد إنجاز هذه المهمة واستنفاد الغرض منها، يعود صاحبنا إلى مهنته الأصلية، أي "بودي جارد"؟

قد يكون الناشط اليمني المذكور نموذجا كاريكاتورياً عن حالات تسللت، وحتى تربعت على رأس منظمات حقوقية، وأخرى نشطت في مجالات الإصلاح والتنمية الديمقراطية. في العديد من الدول العربية التي دخلت حلبة الإصلاح والديمقراطية الشكلية، أتقنت الحكومات فنون "تدجين" النشطاء ضعاف النفوس، وشجعتهم على لعب أدوار مزدوجة. وزاد الطين بلة أن المنظمات الدولية الناشطة في مجال تعزيز الإصلاح والديمقراطية في الشرق الأوسط (بالأحرى العالم العربي)، سايرت الحكومات، واستنت سياسة دعم المنظمات التي تحظى برضا السلطات وقبولها، وانخرطت معها في لعبة الانفتاح والإصلاح اللفظية، كيف لا وهذه الحكومات تسمح لها بفتح مكاتب تمثيل أو مكاتب إقليمية، تشكل امتداداً لنفوذ بلدانها السياسي والأيديولوجي في دول المنطقة؟ كما باتت -هذه المكاتب- أداة من أدواتها السياسية والدبلوماسية، ومؤخراً باتت المنظمات غير الحكومية الأجنبية تلعب دوراً أساسياً، إلى جانب الحكومات، في "هندسة المجتمعات" المدنية المحلية، عبر إتاحة فرص التمويل لبعضها وإغلاقها عن بعضها الآخر، أو إبقائها مفتوحة جزئياً على غيرها، ذراً للرماد في العيون وتمويهاً على أشكال المحاباة والإفساد.

عالم المنظمات غير الحكومية، أو منظمات المجتمع المدني، بات صناعة كبيرة في العالم، وهو في الأصل والمبدأ يؤدي أدواراً جليلة في تنمية المجتمعات لكنه ليس بالعالم المثالي ويعج بالمتسلقين، أو الذين تنكروا لماضيهم، وقبل أن تستفحل ظواهر الفساد والحاكمية الرديئة لا بد من وقفة جادة لتقييم مسار هذه المنظمات وإخضاعها للمراجعة والمساءلة عن مردود نشاطاتها، وقياس أثر برامجها على مجتمعاتها، ولا يتم ذلك من خلال تشديد القبضة الحكومية عليها، وإنما من خلال فرض مبادئ الشفافية والحكم الرشيد والمساءلة من خلال التشريعات الوطنية، بما في ذلك النص على التجديد القيادي الدوري، ومنع بقاء القادة في مناصبهم أكثر من دورتين انتخابيتين، وتفعيل مراقبة المواطنين والأعضاء، من أدنى إلى أعلى، على منظماتهم.

hani.hourani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقالة تستحق التقدير (ohoud majaly)

    الاثنين 10 كانون الثاني / يناير 2011.
    شكرا استاذ هاني الحوراني