تصريحات المحافظ ودرس سويسرا

تم نشره في الاثنين 10 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

تمثّل البنوك في سويسرا جوهرة اقتصادها، وكانت خلال الأزمة الاقتصادية العالمية وبعدها أقوى مما كانت قبلها، من دون أن تكلف الحكومة السويسرية عناء دعمها كبقية الحكومات في أوروبا وأميركا التي دعمت بنوكها بمبالغ ضخمة، أوقعتها بمشاكل عجز موازناتها وارتفاع مديونياتها وتململ شعوبها. ولأهمية البنوك السويسرية كرافعة لمجمل الاقتصاد السويسري يكفي أن نعرف أن حجم أصولها يبلغ 680 % من الناتج المحلي الإجمالي السويسري، بينما لا تتجاوز هذه النسبة في البنوك الأميركية أكثر من 70 %.

والفضل يرجع للسياسة النقدية السويسرية التي حافظت على متانة أوضاع بنوكها واستمرار تدفق الأموال إليها، ما حقق استقرار اقتصادها وقوة الفرنك السويسري الذي ما يزال العملة الأوروبية العالمية القوية، بينما يتعرض الدولار واليورو لهزات لم تتوقف حتى الآن، وتتراجع الثقة بالبنوك العالمية الكبرى الأميركية والأوروبية، سواء لانخفاض الفائدة التي تدفعها للمودعين أو لتجربة المودعين مع البنوك البريطانية والأيسلندية والأيرلندية، حيث أظهرت دراسة حديثة أن البريطانيين يحتفظون بسبعة بلايين جنيه إسترليني في بيوتهم.

ومن سياسات البنك المركزي السويسري، إعداده خطط طوارئ للتعامل مع احتمال تعرض البنوك لأزمة، خاصة بنك UBS الذي تبلغ ميزانيته أربعة أضعاف حجم الاقتصاد السويسري، والذي كان من الصعب معرفة حجم أصوله المسمومة آنذاك.

وعندما هبّت رياح الأزمة تمّ تطبيق الخطة، وذلك عكس غيرهم من الحكومات والبنوك المركزية التي انتظرت حتى داهمتها الأزمة وألقت بأثقالها عليها.

كذلك التزمت البنوك السويسرية بتعليمات بنكها المركزي وسياساته المتحفظة، ومنها احتفاظها بنسبة
19 % من إجمالي أصولها في حساب رأس المال لتغطية الخسائر المحتملة، علما أن اتجاه البنوك العالمية، أوروبية وأميركية تخطط لنسبة 7 % بحلول العام 2019، كذلك كان البنك المركزي السويسري من أوائل من طلب من البنوك الاحتفاظ بنسب سيولة مرتفعة لمواجهة أي طلب من المودعين، وأول من طلب تنظيم حوافز إدارة البنوك ليبعدها عن المخاطرة، كما كان أول من طلب منها تقسيم أعمالها إلى وحدات منفصلة للحيلولة دون جرّ البنك الأم لمتاعب وأزمات حال تعرّض إحدى هذه الوحدات لمخاطر قاتلة.

بحجمنا، لسنا بعيدين عن درس سويسرا وقد خرجت بنوكنا بأقل الخسائر، وحيث جاءت تصريحات محافظ البنك المركزي الجديد سيادة الشريف فارس شرف برفع رؤوس أموالها، والمحافظة على سلامتها كأولوية رئيسية وفق سياسات تجنبها المخاطر، ومطالبتها بالمواءمة بين المعايير الاحترازية ورغبتها بمنح المزيد من القروض، سعيا وراء الربح مما ينشط الاقتصاد، إضافة إلى إطرائه بحصافة إداراتها والتزامها بتعليمات البنك المركزي، كإشارة تعطي الفضل لبعض أصحابه. لكن السياسة النقدية ما تزال تواجه تداعيات الوضع الاقتصادي على محفظة قروض البنوك وزيادة غير العاملة منها وتجنيب مخصصاتها المقتطعة من أرباحها، وارتفاع معدل التضخم الذي يفرض رفع الفائدة على الودائع والقروض ما يشكل تحديا أمامها وأمام قيادتها الجديدة.

التعليق