ياسر أبو هلالة

حول مدينة معان وباديتها وقراها

تم نشره في السبت 8 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

معان ليست كركوك، في تلك المدينة قد تجد طفلا يتحدث أربع لغات؛ العربية والكردية والتركمانية والأشورية. يوجد تعدد أقوامي وديني ولغوي واجتماعي، وذلك التعدد والتنوع علامة غنى وثراء، بقدر ما هو عامل فرقة وصراع. في معان تكاد تجد تطابقا في كل شيء في المحافظة، ولأنها طاردة لأسباب اقتصادية فالهجرة منها وليست إليها، وهو ما جعلها في النهاية "صافية" لا غريب فيها.

ومع تشابه أبناء المحافظة في الفقر والبؤس أيضا، نشأت هويات فرعية تميز بين أبناء معان المدينة بوصفهم مدنيين وبين أبناء البادية وأبناء القرى. لم يكن أبناء المدينة ليحصلوا على فرص أعلى في التعليم، فهو إلى اليوم عام تؤمنه الدولة للجميع، وربما زهد أبناء المدينة أكثر من غيرهم في التعليم بسبب البطالة المستشرية في صفوف الجامعيين والمتعلمين مقابل وجود فرص عمل، وخصوصا في مجال النقل والتجارة والمحاجر لغير المتعلمين.

وبسبب البعد الجغرافي، ظلت علاقات المهاجرين من معان بمدينتهم الأصلية واهية، بخلاف أبناء السلط وإربد.. وحتى الكرك والطفيلة. ويمكن لباحث أن يدرس هجرة آل التلهوني الذين صاروا نجوما في السياسة والمال خارج المدينة وانقطعت صلتهم بها إلى درجة كبيرة. شخصيا غادر الوالد معان في مطلع السبعينيات، للعمل في قسم المناهج في وزارة التربية، وما زال يعلق في الذاكرة الكلفة القاسية لإدامة الصلة مع الأرحام.

كان التوجه إلى مجمع سفريات الجنوب عقوبة لطفل سيمضي ساعات من الغثيان في سيارة مرسيدس 190 بسبب روائح البنزين والدخان والشحمة. تحملنا تلك العقوبة بسرور لأننا سنصل إلى مرابع الصبا. وافتقار المدينة لكل ما يمت بصلة للترفيه عن الأطفال كان يعوضه الحرية المطلقة وممارسة أنماط حياة غير موجودة في جبل الحسين. فلا شيء يعادل أن تسرح برأس غنم وتصنع شايا على الحطب وتتعلم الرماية على بندقية سيمنوف!

في جلسات المساء كان الكبار يعيدون رواية التاريخ علينا، ومع أن جله قد يكون أوهاما لا تصمد أمام أي اختبار علمي إلا أنه كان يشحننا بطاقة كبرى من الفخر والخيلاء والشجاعة والبأس. وعندما أراجع تلك التعبئة التي تلقيناها ألاحظ انفتاحا خارج المدينة، فمعان ليست مدينة مسورة. وأبطال الرواية الشعبية موزعون بين المدينة والبادية والقرى، تتشابه قيمهم وعاداتهم وأفكارهم. ومن الطرائف في تلك الأمسيات، أن شيخا من شيوخ الحويطات سأل الشباب الذين درسوا في جامعة دمشق عن أحد أبطال البادية، فسخروا منه وسألوا عن علاقته بمونتغمري، فتلقوا التوبيخ من جدي الذي أسف على جامعات لا تدرس عن بطل اسمه "شليويح"!

ومعان في النهاية هي مدينة لم تكتمل، وظلت البداوة موجودة فيها. وربما لو استمر خط حديد الحجاز في العمل لتطورت إلى مدينة ذات شأن، فيها مدينة وبادية وقرية، لكنها إلى اليوم تفتقر لما عرفت فيه المدينة من تعليم واقتصاد ونظام، تماما كما تفتقر لأنماط الانتاج البدوي في الرعي، أما الزراعة فهي معزولة عن أبناء المحافظة نمط حياة، وظلت إلى اليوم نشاطا مزدهرا لشركات تجني الملايين، ولا علاقة لها بالتنمية المحلية.

لا حل لمشكلة معان، بكل تفاصيلها، من دون فتح المحافظة على بعضها. يجب أن تعود كما كانت محافظة واحدة تطل على البحر. لقد خنقت معان عندما اقتطعت منها العقبة إقليما خاصا، والبتراء إقليما خاصا أيضا. وظل أبناء العم في وجوه بعضهم يتقاتلون.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »معان الاباء قادرة على الابداع والتألق والنهوض ومواجهة التحديات (خالد قولاغاصي)

    السبت 8 كانون الثاني / يناير 2011.
    معان الاصالة والبداوة,معان الرجولة والشهامة والنخوة العربية الاصيلة لن تعدم الرجال العظماء لينهضوا بها ويضعوها في مصاف ارقى المدن العربية,كلنا أمل ان تتجاوز معان الشموخ هذه السحابة وان يعيد لها بريقها وتألقها الساحر كمدينة عريقة مرصعه احرفها باحرف المجد والعراقة ورائحة التاريخ الناصع الذي يفوح من جوانبها,,كل التحية لاهل معان الشرفاء واوفياء لوطنهم وعروبتهم ولدينهم السمح.
  • »صحيح (حكمت النوايسة)

    السبت 8 كانون الثاني / يناير 2011.
    كلامك صحيح أخ ياسر...
    وأهل مكّة أدرى بشعابها...
    معان تحتاج إلى تنمية غير وهمية... ما الذي يشجّع الناس على الانتباه للعمل، غير وجود العمل... وتطوير البنى التحتية لاقتصاد اجتماعي وعدم أقلمة الأجزاء الحية الحيوية: البتراء والعقبة وفصلها عن المحيط الذي يمكن أن تؤثر فيه، وتسهم في تطوير بناه التحتية...
  • »كل المحبة لمعان (خالــد الشحــام)

    السبت 8 كانون الثاني / يناير 2011.
    تحية كبيرة لمدينة معان وقراها وباديتها لأنها أخرجت الرجال الذين نعتز بهم، لها أطيب الأمنيات بالأمان والتقدم.
  • »معان الأصالة (فلسطيني)

    السبت 8 كانون الثاني / يناير 2011.
    مقال رائع يا استاذ ياسر
    وان شاء الله ما حصل لا يتعدى سحابة صيف، وأهل معان الشيوخ الأفاضل جبهة واحدة وصف واحد لا يفرقهم شيء، يرفعون دائما راية اردننا الغالي شامخاً فوق الرؤوس.
  • »معان و ماذا بعد (اربد)

    السبت 8 كانون الثاني / يناير 2011.
    أبدا حديثي بذكريات ما قبل خمسة عشر عاما عندما نزلنا برحلة مدرسية من اربد العقبة و مررنا بمعان و قرر يومها أستاذنا مشرف الرحلة المبيت هناك، بطبيعة الحال لا يوجد فنادق فكان ان نمنا يومها باخد الغرف الصفيه في واحدة من المدارس الحكومية، سرعان ما تجمع حول المدرسة الشباب من الجيران و بدانا التعارف و لعبنا كرة القدم سوية طيلة مسا ذلك اليوم، كان كل شي جميل رغم ما يبدو عالجميع من علامات ضيق الحال، لليوم تتطلع ذكريات جميله عن تلك المدينه القرية الصغيرة، رغم انني عملت في سلطة العقبة لاحقا لسنتين لم اجد يوما سببا لزيارة معان، رغم انني مررت من الطريق المحاذي لها عشرات المرات، و هنا بيت القصيد، الا يوجد في معان اي شي يجذب الناس للان؟؟