كأس قهوة أميركي

تم نشره في الجمعة 7 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

هو باحث معروف، وعضو بارز في حزب حاكم، جاء من رحم الشعارات الاشتراكية. رغم كل ما سأقوله الآن، أؤمن أنّه يمكنه أن يكون باحثا جادا ومميزا، لو تركز جهده في البحث. دعوته إلى فنجان قهوة قبيل سفره بعض أن أمضى أشهرا في بلد ما، تعرفتُ إليها خلالها، فيما يمكن تسميته مجازاً "مشروعا بحثيا"، وكان يستعد للعودة لبلده.

بدأ الحديث عن وزيرة الخارجية الأميركية الجديدة، كوندليزا رايس (إذًا فهذه القصّة عمرها نحو ست سنوات). قال إنّ رايس تنتمي إلى المدرسة الواقعية في النظرية السياسية، وإنّها من تلاميذ مدرسة هنري كيسنجر الذي يعتبر "المحافظين الجدد" الذين كانوا يقودون إدارة جورج بوش نوعا من "المثاليين" بسبب إصرارهم على مسألة دفع الشعوب الأخرى لاتّباع القيم الأميركية.

انتقل ضيفي إلى الحديث عن مشاريعه بعد عودته، وبدأ بعرض فكرته التي يريدني شريكا فيها، وهي "شبكة الإصلاحيين العرب"، لطرح الفكر التحرري وقضايا حقوق الإنسان. بدأت أبحث عن منفذ لأخرج من هذا الموضوع الذي لا يستهويني. ثم قال صراحة ما كنت أخجل من التفكير به. قال إنّ مثل هذا المشروع "هو ما يأتي بالأموال الآن". حاولت إنهاء الموضوع واللقاء بطريقة سلسة، وكنا نجلس في مقهى في الهواء الطلق.

تذكرت اللقاء وأنا أقرأ في الصحف الأميركية كيف أنّ إدارة باراك أوباما تدافع عن السياسات الرسمية القمعيّة، وتهمل ما يجري من مهازل انتخابية، واعتقالات، ومحاكمات.

الباحث العربي سالف الذكر، يعرف أنّ المحافظين الجدد لا يسعون لخير الدول التي كانوا يطلبون منها اتّباع الديمقراطية، بقدر ما كانوا يبحثون عن سبل إدامة "اللحظة الأميركية" في قيادة العالم، وعن سبل حماية إسرائيل، "بالأمركة". وكنت سأحترم مثقفينا وناشطينا لو اعتبروا ذلك فرصة سانحة لنشر الديمقراطية والحريات باستغلال التوجه الأميركي حينها، ولكن بأجندة وطنية وعربية. أي لو استفادوا تكتيكيّا من التوجه الأميركي. ولكن ما حدث هو أنّ كثيرا من كتابنا وأكاديميينا العرب رأوا في تلك المرحلة فرصة سانحة لمكاسب شخصية مادية. وما حدث أنّ الأنظمة تعاملت مع تلك المرحلة بتحفظ وبأسلوب "الاسترضاء" لحين مرور الأزمة. والسياسيون العرب والأحزاب الثيوقرطية، والعلمانية الطائفية، والطائفية الدينية والعلمانية، والعلمانية، استغلوها لنصرة طوائفهم وجماعاتهم وتحقيق مكاسب ضيقة، وفق أفكار إقصائية، تقوم على الديمقراطية لمرة واحدة، إن أمكن، أو على الحصول على ما تيسّر من كعكة "الحكم". وخرجنا من المرحلة من دون إنجاز ديمقراطي.

طلب مني ذلك الباحث، إيصاله إلى سوق تجاري، على أنّ يذهب للبيت وحيدا لاحقا، فلا أنتظره، لأنه يريد "قهوة". لم يدر يخلدي أنّه يريد شرب القهوة، فقد كنّا قد شربناها مرتين معا. قلت إني سأنتظره لأوصله ما دام الأمر مجرد شراء قهوة. فأجاب: لا. وأنّه سيجلس لشرب القهوة لأنه لا يعرف النوم من دون شرب قهوة أحد المحال الشهيرة، أوصلته وذهبت واضطررت للقول صراحة أني أقاطع المقهى.

ظل المشهد يعاودني. ألا تفقد القهوة طعمها إذا تكررت كثيرا خلال مدى زمني محدد؟ أليست العبرة في المذاق لا الكم؟ ثم لماذا هذا المقهى؟! هل هو من متطلبات "الإصلاح"؟ وما هذه العبثية التي نعيشها، بدءا من الإصلاح والديمقراطية وصولا إلى كوب قهوة؟ ولكني لم أنبهه أنه بعودة كوندليزا رايس "الواقعية" كما يرى فإنّ فكرة تمويل "الإصلاحيين" ربما ستنتهي.

جاء "المحافظون الجدد" وذهبوا، وعاد "الواقعيون" البراغماتيون، وانتهت "جمعة" منح وتمويل الديمقراطية "المشمشيّة"، أو تكاد. ونحن نراقب المشهد، نحاول لعب دور "كومبارس" هنا أو هناك. وننتقل من عبثية لأخرى، من دون قوى إصلاحية أو ديمقراطية فاعلة حقا، بعيدا عن الألاعيب والسياسيات الدولية.

[email protected]

التعليق