أبو ماهر اليماني.. سكنته فلسطين.. فترجّل إليها

تم نشره في الجمعة 7 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

يحتار من عرف أبا ماهر أي الصفات يطلقها عليه، فهو جمع في شخصه كل الإيجابيات: المخلص، النقي، المتواضع، المناضل، الحالم، الصوفي، الشريف، المعطاء، الفلسطيني حتى النخاع، عفيف اللسان والفعل، الطيب، البسيط... وهكذا دواليك. سكنت فلسطين شرايينه منذ الطفولة، فجسّد قضيتها في كل مراحل حياته. يتكلم، فتحسها تنبض في نسغ حروفه، تتطلع إلى ملامحه فترى الوطن، تشاهد فلسطين، بمنارات بحرها، بمدنها، بزيتونها، وبرتقالها، بعبق قهوتها الصباحية، بكرملها، بريفها، بتاريخها، وبخلود سندياناتها.

مثّل جزءاً حقيقياً كبيرا من صفحات الوطن، ملأها بمداد قلبه، وبالتضحية لها. لم تستطع الصفحات أن تعكس نضالاته المتعددة كلّها. امتزج بفلسطين وشكلا معا لحنا صباحيا ثوريا رائعا.. تلخص في معزوفة ثورية جميلة اسمها: الإصرار على العودة، وهدفها: تحرير كل شبر من فلسطين التاريخية.

في مرحلة مبكرة من شبابه، شارك المناضل سامي طه في الدفاع عن حقوق العمال الفلسطينيين، وساعده في إطلاق أول نقابة عمالية فلسطينية، وتتلمذ على يديه. حمل السلاح وشارك في حرب فلسطين، في التصدي للاحتلال البريطاني ومقاومة العصابات الإرهابية الصهيونية.

في الهجرة القسرية، مارس التعليم، استغل الحصص لتعميق انتماء الشباب الفلسطيني في مخيمات لبنان إلى قضيتهم ووطنهم. لم تقتصر نضالات أبي ماهر على التعبئة السياسية فقط، شارك رفيق عمره د. جورج حبش وثلة أخرى من المناضلين الفلسطينيين والعرب، في إطلاق حركة القوميين العرب، كان أحد قادتها البارزين، وممن أسهموا بفعالية كبيرة في دفع الشباب للانضمام إليها، أدرك تماماً الارتباط العضوي بين الخاص الوطني والعام القومي، ففلسطين بالنسبة إليه جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وكان من الضرورة بمكان تجيير كل الجهد العربي نحو القضية الأولى: فلسطين، فكان فلسطينيا وطنيا وقوميا عربيا وحدويا، وكان قائدا جماهيريا على المستويين.

استشهد شقيقه في عملية عسكرية قامت بها الحركة قبل انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، وقبل انطلاقة الجبهة الشعبية، فالحركة في ذلك الوقت مارست المزاوجة بين النظرية السياسية والتطبيق العملي. وبعد انطلاقة الجبهة الشعبية وفي كل مراحلها كانت فلسطين من البحر إلى النهر الخلفية التي ينطلق منها في حديثه وفي تعبئة رفاقه. وفي المنعطفات الصعبة التي مرّت بها الجبهة والثورة الفلسطينية، ظلّ أبو ماهر مخلصاً لفلسطين، ملتصقاً بها.

ومن حصار إلى حصار انتقل أبو ماهر. وظل الوضوح بالنسبة إليه هو العنوان. كان واضحاً في كل خطاباته في المناسبات المتعددة، كان واضحاً في زمن أصبح فيه الوضوح بمثابة الجريمة كما يقول شاعرنا الكبير محمود درويش: "إن الوضوحَ جريمة".

شخصية أبي ماهر جمعت بين الصلابة التي يتمتع بها القائد، واللين الإنساني في التعامل مع رفاقه في الجبهة، ومع كل المنتمين إلى الثورة الفلسطينية، ومع جماهيرنا في المخيمات التي إن تعرف أحداً فهو أبو ماهر اليماني. كان دقيق التعبير، بسيط الكلام، يحوّل أصعب النظريات إلى كلام سهل ممتنع، رقيق القلب، مرهف الإحساس، يبكيه الموقف الإنساني، يتألم لأبناء شعبه في كل مواقعهم، كان عنواناً بحد ذاته. عرفته أزقة المخيمات مناضلاً أصيلاً وفياً في الدفاع عن الجماهير وفلسطين بكل أجزائها وسمائها وأفقها. احتل مناصب عديدة مندوباً عن الجبهة في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ولمرات متعددة ولنقاء سيرته، وسلوكه، ووضوحه الشديد. لقبّ بـ"ضمير الثورة الفلسطينية" الذي يعبر عنها تاريخاً وآنياً ومستقبلاً. فيه من الشموخ الشيء الكثير. ظل مرفوع الرأس مثل وطنه، عصيّاً على الانكسار رغم كل المحن، بسيطاً مثل سنابل القمح في مرج ابن عامر، معطاء مثل زيتونة فلسطينية خالدة, كبيرا مثل سور عكا، نقيا مثل وردة جورية ربيعية، أصيلا مثل حبات رمل بحر يافا، متواضعا مثل فلاّح فلسطيني لفحته الشمس فازداد بهاء وأصالة ورونقاً، صقلته التجارب فأصبح مثل جذع شجر مدّت جذورها في التراب الفلسطيني منذ الأزل.

في كل المواقع التي احتلها، كان وفيا مثل أرضنا التي لم تبخل على أبنائها. ورغم عقوق بعضهم، ظلّت أصيلة مثل الأفق، والطيور، والسماء الفلسطينية. كان مناضلاً فولاذياً لا يجامل أحداً في حق أو فيما يعتقده صوابا، لا يسيء لأحد حتى لو أساء اليه، ردود فعله ظلت هادئة، يعكس روحاً نضالية لم تنحن أمام الصعاب. وبروحية القائد الثوري انسحب من عضوية المكتب السياسي ليترك المجال أمام الشباب الجدد، رغم دعوات كل المؤتمرين له ليبقى.. بكى يومها ورجا الحاضرين أن يعفوه من احتلال منصب قيادي، قال خطاباً مؤثراً يومها.

ولأن النضال بالنسبة إليه عملية متواصلة لا تنتهي عند سنٍّ زمني، كتب أبو ماهر مذكراته التي هي انعكاس وتاريخ للأحداث الفلسطينية منذ نعومة أظفاره وصولاً إلى مرحلة إنهاء المذكرات.

أبا ماهر... وداعاً أيها الصديق، الأخ، الرفيق. ستظل زهرةً فلسطينية تتجه نحو الشمس دائماً، مثلما مثّلت في حياتك.

التعليق