الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب ودورها في ترسيخ الالتزام والانضباطية السلوكية

تم نشره في الأربعاء 5 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

 

انطلاقا من السعي الى ايجاد نموذج لبرنامج وطني شامل يخدم البعد الاجتماعي للأمن الوطني، يُبنى على رؤية واضحة تكون مرجعية تساعد على ترسيخ الالتزام الوطني ويتم التعامل معها بجدية وفاعلية لتحقيق الانضباطية السلوكية المجتمعية وأهدافها النبيلة، فإنه يمكن النظر إلى نموذج الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب كشكل يُعد من أشكال المشاريع المساعدة، باعتبارها تطبق برنامجا يمكن له أن يكون قادراً على التكيف والتطوير أو المنافسة، ويمكن الولوج منه إلى برنامج أو نموذج ما يكون أساسا لمشروع يرتكز إلى الوعي والتنظيم، ويلقى اهتماماً من الإجراءات التطويرية، والنظم الفكرية التي تجسد أفضل القيم والسلوكيات، ليرقى بالتجربة ويدفع بها إلى الأمام، ويعمل على تعزيزها على المستويين العام والخاص بشكل يحقق نجاحها، ويرسخ تفعيل دور الشباب لبناء مجتمع يعي مصالحه ويلتزم بمسؤولياته وضوابطه السلوكية.

وإيماناً من أن الانسان في الأردن هو أهم وأغلى ما نملك، وهو أساس عملية التنمية والإصلاح، فإنه من الأهمية بمكان أن يُنظر إلى الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب على أنها النموذج الأقرب حالياً الذي يضع خطة لتنفيذ تدريب عسكري يطبق المناهج المعمول بها في القوات المسلحة والتي تشمل مفاهيم الاهتمام بالانضباطية والالتزام في العمل، وتدريبات المشاة والمهارات المختلفة واللياقة البدنية والتوجيه الوطني، ويعمل على تنمية الاحساس بروح المواطنة الصالحة، وتعزيز معاني الولاء والانتماء والشعور بالمسؤولية الأخلاقية ضميرياً وذاتياً تجاه النفس والاسرة والمجتمع، مع الايمان بالمبادئ الوطنية وتمثلها كالتضحية والشجاعة والحماس، والايمان بالعقل وإنضاج الوعي الفكري والمعرفي للنهوض بالمسؤولية عن جدارة وأحقية، وبشكل يؤمن فيه المتدرب أن مستقبل الوطن أمانة في عنقه، وليكون قادراً بعد تخرجه على أخذ زمام المبادرة، والاندفاع نحو التغيير الايجابي، والقيام بالعمل عن أهلية وبإخلاص وعطاء صادق لتحقيق رؤية جلالة الملك المعظم في قدرة الشباب الأردني على تحمل المسؤولية الكفؤة، وليكونوا رياديين فاعلين في الحياة.

وقد أسهمت هذه المعايير من الالتزام والجدية والانضباطية السلوكية التي يتم التركيز عليها والحرص على تنفيذها بعد أن تعودها الشباب من المتدربين في برنامج الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب، في تحقيق الأمن الاجتماعي لأن البرنامج التدريبي يستهدف الفئة العمرية من سن 18-39 عاماً، والتي دلت الدراسات الاحصائية أنها الأكثر قابلية للانحراف أو ارتكاب الجريمة وتزايدها بين هذه الفئة من المجتمع، حيث ظهر أن هناك تناغماً بين هذه الفئة وبين المنتسبين للشركة من فئة المتعطلين عن العمل، إذ تصل نسبة قابلية الانحراف عند هذه الفئة من المتعطلين إلى 70 % من الجرائم المرتكبة. ما يعني أن برنامج هذه الشركة يسهم بدرجة كبيرة في إبعاد هذه الفئة عن الوقوع في مستنقع الانحراف والجريمة، ويمثل حصانةً وتوجيهاً لحياة سوية وعيش كريم لهم.

كما يساهم برنامج الشركة أيضا في توسيع الطبقة الوسطى ونسبة الأفراد الناشطين اقتصاديا، حيث بلغت نسبة استقطاب الشركة من المتدربين ممن هم غير ناشطين اقتصاديا ومتعطلون عن العمل وأميون حوالي 90 %. وتعتبر الطبقة الوسطى الركيزة الأساسية وصمام الأمان لأي تغيير وإصلاح يهدف إلى تقدم المجتمع وتطوره وازدهاره، إضافة إلى دورها في الحفاظ على بنيان المجتمع وتماسكه الذي يعد حاجة ملحة في مواجهة التحديات المتوقعة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وذا تأثير على انتشار أسباب العنف المجتمعي أو الانحرافات السلوكية كالإدمان على المخدرات وارتكاب الأفعال الجرمية مع الأخذ بعين الاعتبار أي نتائج اجتماعية مترتبة على أمن المجتمع واستقراره كالإرهاب والتطرف.

وتساهم الشركة الوطنية بحسب مؤشرات الأداء المستقاة من إحصاءات أرقام الانجاز في تخفيض نسب البطالة، والحد من الفقر في المملكة، حيث ظهر تناغم توافقي بين أعداد ونسب الاستقطاب من الشباب الملتحقين ببرنامج الشركة مع نسب الفقر والبطالة في المحافظات خاصة المناطق النائية وجيوب الفقر، إذ بلغت نسبة المسجلين بالضمان الاجتماعي إلى عدد الخريجين 26 %، وبلغ عدد الذين تدربوا تدريبا عسكريا ومهنيا حتى الآن 14087 شابا يشتغل منهم في مؤسسات القطاع الخاص on job training) 9930) متدربا، وبلغ عدد الخريجين 7383 خريجاً، ومن المنتظر تخرُج العدد الباقي البالغ 3848 شاباً ممن هم الآن تحت التدريب. وبذلك فإن نسبة النجاح تصل إلى 80 % في مجال الاستخدام والتشغيل، حيث بلغت نسبة المشتغلين من خريجي الشركة الإجمالي 71 %.

إن مجمل أسباب نجاحات هذه التجربة والنموذج الفريد (الشركة الوطنية) الذي شكل تجربة أردنية ريادية تتمثل بخطط إستراتيجية فاعلة ومدروسة، وإنشاء مركز تدريب عسكري متخصص تتوفر فيه البنى التحتية والخدمات اللوجستية، يعتبر انعكاسا حقيقياً لرؤية جلالة القائد الأعلى الملك عبدالله الثاني الثاقبة وتطلعه، واستجابة لتوجيهاته السامية في اعداد مشروع استخدام مدنيين في القوات المسلحة، وإلى الإعداد الأمثل للشباب الأردني من حيث التدريب والتأهيل والاستخدام. إضافة إلى توفر الكوادر البشرية العسكرية المؤهلة التي تستمد عزمها من رؤى وتوجيهات جلالته، ومتابعة تعليمات القيادة العامة ممثلة برئيس هيئة الأركان المشتركة لمرحلة التدريب العسكري بشكل خاص، ولعمل الشركة خلال تنفيذ بقية مراحل البرنامج التدريبي المهني اللاحقة (مرحلتي التدريب المهني التأسيسي والعمل الميداني) بشكل عام، والتي تطبقها الشركة بالتعاون بين القطاعين العام والخاص، وذلك للتخفيف من حدة مشكلتي الفقر والبطالة، وبما ينسجم مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل (قطاع الانشاءات) وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في مراحل التدريب، وتنفيذ استراتيجيات وخطط من شأنها مساعدة الشباب الأردني للاستفادة من فرص العمل المتاحة لهم. والقوات المسلحة الأردنية حينما تتولى مهمة الاشراف على التدريب العسكري للملتحقين ضمن برنامج الشركة، وتبني هذه التجربة التدريبية المهنية في هذا المشروع التي يقر العديد بنجاحها وتميزها من خلال مؤشرات الاداء والانجاز الذي تحقق، فإن هذا يدل دلالة واضحة وأكيدة على عصرية هذه القوات، وقدرتها على القيام بواجباتها الوطنية على أكثر من صعيد ومجال، وهي قادرة بالتأكيد على التحرك نحو التدريب المهني لتلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية تجاوباً مع دورها التنموي بكل كفاءة واقتدار، لأنها تمتلك كفايات وقدرات متطورة بديناميكية عالية تساعد على تحقيق الأهداف الوطنية التي وجدت من أجلها الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب والعمل بكل الجدية لرفع سوية تشغيل القوى العاملة من خلال التدريب المناسب.

وختام القول، فإن الشركة الوطنية هي شركة غير ربحية مملوكة للقوات المسلحة الأردنية جاءت لتشكل نقلةً نوعيةً على طريق التشاركية الفاعلة لصناعة مستقبل أفضل للشباب الأردني، بهدف بناء أجيال مسلحة بالمهارات اللازمة للعمل المهني، خاصة اولئك العاطلين أو المتعطلين عن العمل، وبمخرجات تنافسية قادرة على العطاء والابداع والابتكار والتميز، وتعزيز الاعتماد على الذات والدخول إلى غايات أشمل بهدف رفد الاقتصاد الوطني، وتلبية احتياجات التنمية الشاملة، واحتياجات سوق العمل، وتحقيق الأمن الاجتماعي والاقتصادي.

التعليق