السعادة التائهة

تم نشره في السبت 1 كانون الثاني / يناير 2011. 02:00 صباحاً

كنت قد كتبت عن "السعادة التي لا تشترى بمال" ("الغد" 26/11/2010)، متناولاً حالة زوجين كنديين متواضعي الحال، وجدا سعادتهما في التبرع بما كسباه عن طريق اليانصيب، وعن مواطن اميركي رفض استلام الأرباح التي حصل عليها من اسهمه في إحدى الشركات، طلباًَ للراحة والهدوء وعدم الازعاج بتحصيل أرباحه. وكان المغزى أن العطاء، وليس اكتناز المال، هو مصدر سعادة هؤلاء المواطنين البسطاء. فماذا عن الأغنياء؟ وتحديداً البليونيرات؟!

قبل أيام خرجت مجلة "تايم ماجزين" الأميركية، وعلى غلاف عددها صورة مارك زاكيربيرج، مؤسس موقع فيس بوك Facebook، الذي اعتبرته المجلة الشخص الأكثر نفوذاً وتأثيراً في العالم، والذي يضم موقعه هذا أكثر من خمسمائة مليون مشترك، نحو نصفهم من الولايات المتحدة. وسبب الاشارة هنا إلى مارك زاكيربيرج هنا هو أن ثروته من وراء الـ Facebook، باتت تقارب 7 بلايين من الدولارات، علماً بأن حصته لا تزيد على 25 % من الموقع المذكور، وقد دشن وهو ما يزال في السادسة والعشرين من عمره، عصرا جديدا من "البليونيرية الشباب"، بعد أن كان مطلع العقد الحالي قد شهد ظهور عصر "المليونيرية الشباب"، الذي ترافق مع صعود ما سمي "بالاقتصاد الجديد" او الثروة الناجمة عن الاستثمار والمضاربة في الثورة الرقمية، التي حققت أرباحاً بالملايين لمئات الأثرياء الجدد، قبل أن تنقلب إلى "فقاعة" انهارت بانفجارها اسعار اسهمها في البورصات، مسببة خسائر فادحة لملايين المواطنين الذين لحقوا الموجة ووضعوا مدخرات العمر في أسهمها. المهم أن هذا الملياردير الشاب صرح مؤخراً أنه سيتبرع بكامل ثروته لأعمال الخير، لكن مع تأجيل التنفيذ، إلى شيخوخته!

ومارك زاكيربيرج يقتدى هنا بمن سبقوه من أشهر أثرياء العالم، ونعني بهم قطب مايكروسوفت "بيل جيتس" و"وارن بافيت" اللذين يعملان حالياً على اقناع اربعين من أغنى أغنياء العالم بالتبرع بمعظم ثرواتهم لأعمال الخير خلال حياتهم. وكان بيل غيتس قد استن هذه السنة الحميدة حين تخلى قبل سنوات عن نحو 30 بليونا من ثروته الشخصية، وأودعها في المؤسسة الخيرية التي تحمل اسمه واسم زوجته ميليندا، حيث تمول هذه المؤسسة سلسلة مشاريع خيرية في افريقيا والعالم لمكافحة الأمراض والفقر وغيرها من المشاريع النبيلة. اما صديقه وشريكه في العطاء وارين بافيت، فقد تبرع بمبلغ مماثل لأعمال الخير، لكنه لم يؤسس مؤسسة خيرية تحمل اسمه، وإنما أظهر ثقة غير محدودة في حكمة وحصافة بيل جيتس وأودع بلايينه الأربعين، التي تبرع بها، في مؤسسة بيل وميليندا جيتس!

لكن يجب أن نضيف أن بيل جيتس، وإن نزل عن عرش أغنى الأغنياء في العالم، جراء تلك التبرعات السخية، الا أن ثروته الحالية تزيد على 54 بليون دولار، وأفترض أن وارن بافيت يمتلك ثروة مماثلة، أقل أو أكثر قليلاً. لكن أصحاب الثروات الفلكية، وحتى من يملكون اقل، يرسلون اشارات متناقضة، فهم من ناحية يتصرفون كحيتان مفترسة عندما يقتضي الامر، فتراهم يسعون إلى السيطرة على الاسواق وازاحة المنافسين من الطريق دونما رحمة، ثم عندما تستتب لهم أسباب السيطرة على الاسواق وتحطيم المنافسين، ينتقلون إلى مواقع نقيضة، ويتنازلون عن اجزاء كبيرة في ثرواتهم لاعمال الخير! ويعدّ بيل جيتس مثالاً كلاسيكياً على هذه الطبيعة المزدوجة.

اذ لم تتورع مايكروسوفت عن بسط هيمنتها على اسواق برامج الكمبيوتر، وعن فرض هيمنة احتكارية على هذه الأسواق، ما أدى إلى رفع قضايا عديدة ضدها أمام محاكم الولايات المتحدة وأوروبا. وها هو بيل جيتس يحمل، من ناحية أخرى، لواء العطاء والاحسان! عن هذا الوجه المزدوج انتقد مرة مؤسس مجلة فوربز (بيرتي شارلز فوربز) "رياء الاثرياء، الذين برغم جهودهم الخيرية يسيئون معاملة موظفيهم"، ومؤخراً قال أحد عمالقة النفط، بوون بيكلنز " احب جمع المال اكثر، فالتبرع يأتي في المرتبة الثانية"!

وعود إلى بيل جيتس ووارن بافيت، فقد أطلق الاثنان مبادرتهما بأن اخذا قائمة اغنى 400 شخص في الولايات المتحدة، واختارا منها 40 اسماً لاقناعهم بالتبرع بمعظم ثرواتهم لأعمال الخير. والطريف أن وارن بافيت ردد مقولة كنت قد سمعت مثيلاً لها من المرحوم كمال الشاعر، فقد قال بافيت "إن إدارة الأعمال الخيرية أصعب بكثير من القيام بالأعمال التجارية"، وردد المرحوم كمال الشاعر كلاماً مشابهاً أثناء حفل تكريمه، بمناسبة اطلاق كتابه "من الدار إلى العالم" في مركز رؤى للفنون الجميلة (أيلول (سبتمبر) 2007)، أن "ادارة المشاريع الثقافية أصعب من ادارة مشاريع الأعمال". طبعاً لم أصدق ما سمعت! واعتبرت كلامه مجاملة!

اذن بين السعادة التي يحققها إنفاق المال على النفس، كما يفعل معظم الاثرياء (بل قُل معظم الناس) وبين السعادة التي يحققها انفاق المال على الآخرين ثمة مسافة مهمة. مؤسس مجلة فوربز، كتب عام 1917، أن "المشاريع نشأت من أجل نشر السعادة، لا لمراكمة الأموال". وشرحت المجلة ذلك بقولها إن انفاق الأموال على الآخرين يولد مشاعر جيدة وطاقة ايجابية، ويثير حالة من الرضى عن الذات.

هل من أمثلة عربية على حالات الرضى الذاتي هذه؟! أعتقد ذلك، فاثناء قيامي بمراجعة كتاب "الكلية العلمية الإسلامية"، قيد النشر، عرفت كيف تبارى أثرياء عمان، في نهاية الأربعينيات، من أجل التبرع بالأراضي والمال من أجل بناء هذه الكلية. ومعظم هؤلاء تبرعوا بجزء مما يملكون وواصلوا التبرع في السنوات التالية، غير أن المرحوم عبد الله أبو قورة، صاحب فكرة انشاء الكلية، تبرع بكل ما يملك، مساهمة منه في بنائها!

وأغلب الظن أن في الأردن، ومعظم البلدان العربية، المزيد من الأمثلة عن حالات العطاء الاستثنائية. وما أحوجنا في مثل هذه الأيام، التي تشهد احتدام الضائقة الاقتصادية، لمزيد من المعلومات عن هذه المبادرات، والأهم من ذلك أن نشهد المزيد من التباري في العطاء. فهل نسمع قريباً ما يؤكد اعتقادنا هذا؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الانفاق على النفس (رامي)

    السبت 1 كانون الثاني / يناير 2011.
    الانفاق على النفس هو بالتاكيد شيئ ممتع ويسعد الشخص خاصة عندما يكون الانفاق من ماله الخاص الغريب ان البعض يستمتع بالانفاق حتى عندما يكون من مال الاخرين
  • »ما احوجنا للتبارى فى العطاء (محمود الحيارى)

    السبت 1 كانون الثاني / يناير 2011.
    نشكر الاديب المبدع لدعوتة اهل الخير من الاثرياء للتبارى فى العطاء الخيرى مذكرين بان ما نقص مال من صدقة ومن فعل الخير بارك اللة فيك اخى هانى املين المزيد مثل هذة الدعوات فى اردن الخير والعطاء وعلينا ان نقتدى بعطاء سيد البلاد المتواصل للمحرومين اينما كانوا وحيثما وجدوا،ونشكر الغد الغراء لمؤازتها هكذا دعوات .
  • »التباري في العطاء (قيس)

    السبت 1 كانون الثاني / يناير 2011.
    العطاء معنى جميل، يحمل في طياته احساسا مرهفا بأن نعطي ونهب الآخرين من جيبنا الخاص ومن جهدنا وتفكيرنا، دون انتظار المقابل، فقط لنرى البسمه على وجوه الآخرين. وان يعطي الانسان او يهب او يمنح يأتي بعد ان يكون قد سد التزاماته وذممه، بمعنى ان يكون العطاء باختياره البحت، وليس تحت الزام القانون.
    فما بالك ان هناك من يتهرب حتى من العطاء الذي يلزمه القانون به، فتخيل، نراه يدق كل الابواب ويركب مختلف السبل التي تجنبه دفع الحقوق وسد الالتزامات لاصحابها؟ كم هو كبير الفارق بين الاثنين. فعلا، فاقد الشئ لايعطيه
  • »روح العطاء (عمار)

    السبت 1 كانون الثاني / يناير 2011.
    كم جميل ان نكتب عن روح العطاء
    والاجمل ان نتحلى بها
    والاصدق ان نتصارح مع النفس والقلب والعقل
    فنلبي الحقوق لاصحابها
    ونعطي الاجير اجره
    ولا نظلم الناس
    وننام مرتاحي الضمير

    شكرا على المقالة الصادقة جدا استاذ هاني
  • »ما احوجنا الى العطاء!!! (Dr.Hussam Mofty)

    السبت 1 كانون الثاني / يناير 2011.
    نعم مقالة عميقة وما احوجنا الى العطاء الذي يركز على المشروعات ذات الطابع التنموي العلمي والمدني والمؤسسي
    شكراوكل عام وانتم بخير
  • »لماذا العطاء عند الغرب (haitham)

    السبت 1 كانون الثاني / يناير 2011.
    يتنافس الاغنياء على العطاء في الغرب
    هل هو نمظ تربية ام ثقافة
    لماذا لا نغرس ثقافة العطاء في مجتمعاتنا العربية منذ الطفوله بحيث يتم التركيز عليها في المراحل الاولى للدراسة
    مقال يثير الشجون
    شكرا للاستاذ هاني الحوراني
  • »صباح العطاء (عهود المجالي)

    السبت 1 كانون الثاني / يناير 2011.
    شكرا لهذه المقالة الجميلة والتي تناسب العام الجيد ومزيدا من العطاء للمقتدرين الاردنيين ماليا للتباري في العطاء
    عام سعيد على الجميع
    شكرا استاذ هاني
  • »ثلاث مشاكل (عمر أبو رصاع)

    السبت 1 كانون الثاني / يناير 2011.
    استاذ هاني
    بداية كل عام وأنت بألف خير أنت والعائلة الكريمة.
    ما تفضلت بطرحه يواجه مشكلات ثلاث برأيي.
    الأولى أن ظروف نشأة وتطور دولة الاستقلال الوطني العربية، شابها من التشوه ما جعل الأثرياء سواء جاؤوا من خلفية اقطاعية أو برجوازية تجارية أو صناعية يتخلفون عن القيام بواجباتهم ذات الطابع التنموي، على النقيض من النصف الأول من القرن العشرين عندما مول هؤلاء مشروع الجامعة المصرية مثلاً، ومثل طلعت حرب أحد النماذج المشرقة لهذه الحالة، إلا أن موجة التأميم واستهداف أبطال الدبابات لهذه الطبقة أخل تماماً بدورها وبإيمانها من حيث المبدأ بجدوى مثل هذه الأعمال، التي باتت تشكل تهديداً حقيقياً لمصالحهم فيما لو قاموا بها.
    الثاني الفورة النفطية التي مكنت دولة الاستقال الوطني في معظم الدول العربية من الانفاق البذخي والغير مدروس على مشاريع البنية التحتية وخلافها، مما أورث المواطن العربي قناعة بأن التنمية والانفاق الخيري من مهام الحكومات لا الأفراد ومؤسسات القطاع الخاص.
    الثالث اقتصار مفهوم العمل الخيري لدى المجتمعات العربية ما بعد هزيمة حزيران على التمويل المباشر للفقراء والمساكين، بالمساعدات العينية غالباً واغفال التبرع للمشروعات ذات الطابع التنموي العلمي والمدني المؤسسي، ربما يضاف إلى ذلك بدرجة كبيرة عدم رغبة الممولين في تمويل مؤسسات مجتمع مدني من شأنها أن تشكل إزعاجاً للحكومات، مما قد يعود عليهم هم بمشاكل مع حكوماتنا العربية.
    مرة أخرى
    كل عام وأنت بخير