"قهوة تركية" على ضفاف البوسفور

تم نشره في الخميس 30 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

على ضفاف مضيق البوسفور، الذي كان يفصل بين قارتي آسيا وأوربا وأصبح يربط بينهما الان بفضل الجسرين الضخمين على مرأى العين، ينهض مبنى التلفزيون التركي الذي يبث منذ حوالى السنة باللغة العربية في مؤشر لتواصل تركي عربي متزايد على كافة المستويات.

وفي أعلى نقطة في المبنى هناك استوديو يطل من خلال الزجاج على مضيق البوسفور والجسر الكبير الذي يربط قارتي أوروبا و آسيا، حيث كنت ضيفا على البرنامج الاسبوعي "قهوة تركية" الذي تعدّه الإعلامية التونسية هاجر بن حسين، التي تستضيف شخصيات من المشرق والمغرب لتقول ماعندها في مجال تخصصها.

في المبنى الخاص بالقناة التركية باللغة العربية يتعرّف المرء على شباب في كل مكان من مختلف الأقطار العربية وفي مختلف المجالات (الاخبار والصحافة والرياضة الخ)، حتى يبدو أن المبنى يضم "جامعة عربية" مصغرة ولكن مختلفة عن الجامعة العربية الام بفعاليتها وانجازاتها الملموسة.

كان الحوار متواصلا منذ الوصول الى المبنى مع الاعلامية بن حسين ومع الفريق المساعد لها، حيث إنه بدأ في الكافتيريا بعد الترحيب واستمر في الاستديو مع التصوير من دون أن نشعر به، واكتمل في المطعم مع الوداع والامل باللقاء مرة أخرى. ولكن قبل مغادرة المطعم قدّم المنتج مغلفا صغيرا مع الاعتذار الشديد بأن المبلغ المقدم هو مجرد "مكافأة رمزية" لاتناسب الحال.

وقد اعتدنا نحن معشر الأكاديميين حين نكتب في الصحافة على هذا التعبير (مكافأة رمزية)، لانه لا يعرض أحد علينا "مكافأة مناسبة" لكي لا نقول "مكافأة مجزية". ومع ذلك حين فتحت المغلف في الفندق (الذي يجب أن يكون من فئة الخمس نجوم) فوجئت بأن المبلغ هو أكثر بكثير من "مكافأة رمزية" وأقل بقليل من "مكافأة مجزية".

وقد أعادني هذا الامر الى الوراء شهرا حين اتصل بي من دمشق مدير احدى شركات الانتاج الفني، وقال بعد كيل المجاملات إنه ينتج فيلما وثائقيا لقناة تلفزيونية عربية معروفة وإنه يريد منى أن أشارك في هذا البرنامج مع نخبة من المؤرخين. وقد رحبت بذلك وطلبت منه أن يرسل لي العرض على بريدي الالكتروني، وهو ما حصل خلال ساعة. ولكن حين فتحت البريد الالكتروني وجدت أنه أرسل عشرة أسئلة، وأن الامر بالتالي يحتاج الى بعض التحضير والذهاب الى موقع التصوير ثم التصوير الذي يأخذ وقتا وأخيرا العودة مع عبارة "شكرا، الله يعطيك العافية".

وبعبارة أخرى فإن الامر يحتاج الى نصف نهار على الاقل، ولذلك فقد كتبت لذلك المدير بعد تحية المجاملة أشكره على ذلك وأقول له في النهاية " ماهو مطلوب من المؤرخين واضح جدا، ولكنه ما هو مطلوب للمؤرخين غير واضح". ويبدو أن المدير اكتفى بهذا الجواب ولم يعد يتصل، مع أنه كمدير لشركة منتجة يأخذ المبالغ الكبيرة من تلك القناة لأجل ذلك البرنامج الوثائقي ولكنه يعتبر أن مجرد الظهور في القناة الفضائية هو "مكافأة" كبيرة للمؤرخين.

في هذه المقارنة بين النموذجين التركي والعربي في مجال التعامل التلفزيوني مع الأكاديميين والمتخصصين نصل الى جوهر المشكلة التي تتجاوز التلفزيون لتشمل مختلف مجالات الحياة: النظرة للأكاديميين والمتخصصين في مراكز القرار والمؤسسات الاكاديمية والاعلامية هنا وهناك، حيث يكرّم هؤلاء هنا مقابل إسهاماتهم سواء المنشورة أو المسموعة، بينما هؤلاء يشعرون بالغبن هناك لان كل مايحصلون عليه هو "رمزي" لا يرقى الى قيمة ما يقدمونه.

كانت المقالة الاخيرة التي كتبتها من عمان بعنوان "دروس من تركيا: نعم ولكن لمن؟"، وها هو لدينا هنا ما نضيفه الى ذلك من استنبول.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حقك و الله (محسن)

    الخميس 30 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    يعطيك العافيه كفيت و وفيت بهالمنتج و بالنسبه لتركيا الاردوغانيه فلا زال لديها الكثير لتقدمه ايضا