ياسر أبو هلالة

"سيدي بوزيد" على قائمة أجهزة الأمن العربية

تم نشره في الثلاثاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

من باب الطرافة عممت أجهزة الأمن العربية على "سيدي بوزيد" وبلغت الأنتربول الدولي بخطورته وضرورة جلبه حيا أو ميتا. وآخرون حاولوا الاستعانة بطائرات من دون طيار، على أمل قصفه بلا شفقة، باعتباره الخاطف رقم عشرين الذي اكتشف بعد عقد من فشله بالالتحاق بالتسعة عشر الذين فجروا البرجين.

والحال في جريمة بوزيد أنه عرَى النظرية الأمنية التي تحكم العالم العربي منذ الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). فلا عدالة ولا تنمية ولا ديمقراطية، المهم تقديم أوراق اعتماد للأميركيين في حربهم اللانهائية ضد "الإرهاب". خلال العقد الماضي نجحت النظرية أيما نجاح، وحافظت البلاد العربية على "استقرارها"، وفشل الأميركان في العراق وأفغانستان، ولم يعد بواردهم التبشير بالديمقراطية في المنطقة "المستقرة".

مع أن مؤسس الدولة التونسية الحديثة الحبيب بورقيبة لم يكن ديموقراطيا، وهيأ الأرضية للنظام الأمني من بعده، غير أنه كان رجل دولة لديه مشروع تحديثي اتفقت معه أو اختلفت. وهو أول من تقدم بطلب قرض في تاريخ البنك الدولي للمشاريع التعليمية. كان الشائع بمفاهيم البنك الدولي أن الحكومات تقترض لشق طريق وبناء جسر أما أن تقترض من أجل التعليم فتلك سابقة بورقيبة.

لم يترك المؤسس مؤسسة من بعده، وفي غمرة المواجهة الدامية مع الإسلاميين تقلصت الدولة إلى جهاز أمني لملاحقة حزب النهضة. وما هو أسوأ من تقلص الدولة عمليات الشراء واسعة النطاق للنخب اليسارية واستيعابها في المنظومة الأمنية لمواجهة الإسلاميين. وهو ما أطلق عليه المثقف الليبرالي حازم صاغية "اليسار الواشي" !

تفرض الحياة إيقاعها ولا تقتصر على إسلاميين في المنافي والسجون ويسار واش، في تونس نشأ جيل من المناضلين بانتماءات إسلامية وقومية ويسارية بمعزل عن الآباء، واستطاع التأقلم مع المناخ الأمني القاسي، وربما يكون قادرا على التحرك في الوقت المناسب.

انطلقت الأحداث بحسب "الجزيرة نت" بحادثة إقدام شاب على إحراق نفسه احتجاجا على منعه من بيع الخضار والفواكه ورفض المسؤولين المحليين مقابلته لما أراد التشكي. وقد امتدت المواجهات والاحتجاجات إلى مختلف مدن الولاية واتخذت طابعا اجتماعيا، ندد خلالها الأهالي بالفساد والإقصاء والتهميش. وقد اتسمت المواجهات بالعنف حيث سقط قتيل برصاص الأمن في منزل بوزيان, كما شهدت عدة محلات تجارية عمليات حرق ونهب تبادل الطرفان المسؤولية عن وقوعها.

لا أزعم أن انتفاضة سيدي بوزيد تقف وراءها "خلايا نائمة"، لكنها تشكل فرصة للنخب النزيهة في الداخل والخارج، وبمعزل عن ألوانها السياسية، لفرض برنامج إصلاحي. ليس من خلال الرضا بالرشوات السريعة للجماهير، وإنما من خلال الانخراط في الاحتجاجات وتأطيرها في برنامج إصلاح شامل.

أي قارئ للتاريخ يدرك تماما أن النظرية الأمنية في العالم العربي غير قابلة للاستمرار، فالأمن هو نتيجة طبيعة للعدالة "عدلت فأمنت فنمت"، " أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، فالجوعى لا يمكن قمعهم، هذا درس التاريخ، ودرس سيدي بوزيد ..مدد يا سيدي بوزيد !

yaser.hilila@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سيرة (عنود الهبابنه)

    الثلاثاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    أرجوا من الغد المعروفة بروحها السمحة ومن منطلق التعريف بحازم صاغية ان لاتحذف هذا الرابط والذي هو سجال بين مثقف لبناني يساري وحازم صاغية. للأسف قد يبدوا سجالا شخصيا ولكن هو مليئ بتفاصيل مهمة عن مازن صاغية الفكري:

    حازم صاغيّة وسيف بن سلـطان (الخشبي)
    http://www.dctcrs.org/s5200.htm
  • »كاتب مبدع (رباح الزغير)

    الثلاثاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    كتبت فأبدعت فتألقت
  • »الخلود والبقاء للعدل (خالــد الشحــام)

    الثلاثاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    أخي ياسر كتبت فأبدعت ، لذلك لك التقدير والمحبة لسعة عقلك وزخم عباراتك على قصرها.

    دولة الظلم ساعة ، بهذه العبارة الأزلية تكتنز الحياة القاسية في نهاية غروبها بصور الأمل لمن ضاق بهم العيش في بلاد العرب ، تعلمنا سنن الكون الكثير من قواعد البقاء بعد جهل طويل يرافق حياتنا واحدى هذه السنن الخالدة والتي تبقى ركيزة كونية لكل من يحلم أملا في الحياة بالتغيير هو أن من يضع يده بيد الشيطان كسبا لرضاه وطمعا في مكاسب قوته لا بد أن يكتوي بناره وينال من أذاه ولا بد أن تسير الأمور معه إلى منقلب غير ذي توقع .

    وهذا هو حال كل من تحالفوا مع الشيطان الأكبر ووضعوا يدهم في يده ، فبعد سنوات عجاف من بسط اليد والجسد والشعوب لتدوس عليها قدم الهمجية الأمريكية الجديدة وبعد الرقص معهم والصياح في جوقتهم ، وبعد السخاء العربي الشهم في ركابهم والتواطؤ معهم طمعا في رضاهم السرابي تكشف المستور وبانت النتائج الفظيعة التي ترتبت على ذلك النهج .

    بداية الغيث كانت النقمة المتزايدة في نفوس الشعوب وارتفاع وتيرة السخط من تلك السياسات ، انحطاط وافلاس اقتصادي غير مسبوق على الصعيد التنموي والمعيشي ، هبوط في بورصة الإنسان العربي الى حد النخاسة ، تحولت البلاد العربية من موقع العالم الثالث انحدارا نحو التدريج السالب ، تهاوي في قيمة النموذج العربي على الصعيد العالمي وفقدان الرؤية المستقبلية ، اضطراب في رؤية الهوية أهي العمامة لصاحبها أم قبعة الويسترن لكلينت ايستوود ؟

    عندما يتبوء كيان ما دفة الحكم في أية كينونة بشرية فمن المتوقع سلفا أن يكون هذا الحاكم أو الفئة الحاكمة بمثابة المؤتمن على رعاية وصون منظومة المصلحة العامة لهذه الفئة أو الشعب وتقتضي تلك الفكرة تناسي القيمة الفردية لشخص الحاكم والذوبان في تفاصيل حياة الناس ورعاية شؤونهم ومن ثم تتولد القابلية لنقل الأمانة لأجيال مهيئة لتقود البلاد في رحلة تطويرية انمائية لمسيرة الشعوب ، وعلى النقيض من ذلك تماما تحولت البلاد من رعاية العباد إلى رعاية الفرد وبطانته الفاسدة وتم تحوير النظم والقوانين لتناسب هذا القالب الجامد الذي تلفظه طبيعة البشر والحجر ، واستجابت الأنا الفردية الضعيفة لسطوة القوة التي تحلل وتحرم غير ابهة بالملايين الأسيرة ، ومن عاكس طبع الخلائق جاءته النتائج عكس ما يرمي إليه .

    ما يجري هنا وهناك في أرض العرب ليس ببعيد عن ذلك الوصف فالحالة التي وصلتها الشعوب اصبحت قاب قوسين أو ادنى من الانفجار جراء انعدام العدل واستشراء الفساد وخنق حرية الإنسان تحت سطوة ظالمين نصبوا أنفسهم رعاة الحق ، في سيدي بو زيد كان سبب قمع الرجل عدم قانونية سلوكه ، لكن سبب الانفجار كان ثورة الروح ضد الظلم والحرمان ولم يكن للقانون الوضعي دخل بل كان قانون البقاء الفطري للنفس هو الذي يتحرك، في صحراء اخرى من العالم العربي سيكون سبب الانفجار رغيف خبز وفي اخرى تذكرة مباراة وفي أبعد من ذلك ربما يكون نظرة من عين لآخرى وتتعد الأسباب لكنها اقنعة لسبب واحد فقط وهو استعباد البشر وارجاعهم لعصور الإقطاعيات.

    السؤال الأكبر يطرح نفسه لأولئك الظالمين كيف غابت الفكرة عن أذهانهم واعتقدوا أن في بطون الليل جياعا يمكن أن ينساهم الزمان والمكان فيناموا ؟ كيف قدروا أن الإنسان يمكن أن يعود حيوانا حبيسا في قفص صغير أو كبير وقد كرمه من خلقه بعقل اخترق حدود المستحيل؟ كيف خلدوا أجسادهم وهي حبيسة سبعين او ثمانين من السنين ؟ لله درهم ما أضيق عقولهم وما أشد بؤسهم عندما يسقطون !
  • »عن اي امن تتحدثون (ايمن ربايعة)

    الثلاثاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    بالفعل الاجهزة الامنية اليوم هي فقط لحماية شخصيات وزعماء وليست لحماية الشعوب وهي وجدت لضرب تلك الشعوب بيد من حديد لتأمين الخضوع والخنوع الكامل والتام من هذه الشعوب لتلك الانظمة وعدم تجرؤ اي فرد على التفكير في الاحتجاج او التظاهر
  • »ياسر (طقاطقه)

    الثلاثاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    وسلمة كالعادة اجل قلمك وافكارك
  • »مغالطات الكاتب (هناء بوسعيد)

    الثلاثاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    يحاول الكاتب دائماً ركوب موجة أي حدث في المنطقة ليجيره لمصلحة الاسلام السياسي فيفقد الحدث قيمته ويدخل نفسه في سجال عبثي مع القراء، للأسف.
    أولاً لم يكن هناك مواجهة دامية مع الاسلاميين في تونس وإنما كانت هناك مواجهة مع المعارضة بكل أشكالها دفع اليسار والليبراليون الثمن الأكبر فيها. لم يشتر النظام هناك فقط أفراداً من اليسار وإنما أشترى الاسلاموييين أكثر ولديه جوقة من الذين يفتون له ليل نهار. المجتمع المدني والنقابات والصحفيون والحركة النسائية والطلابية هم قاعدة المعارضة في تونس وليس حزب النهضة، بل إن حزب النهضة حاول الاقتراب من هذه القاعدة ولم ينجح. الرابطة التونسية لحقوق الإنسان هي أهم ألف مرة من حزب النهضة. ولعل أهم إنجازين في تونس هماالمجتمع المدني وحرية المرأة ولا علاقة لحزب النهضة أو الاسلام السياسي بهما.