عبد العزيز الدوري والتاريخ الاقتصادي العربي: إبداع وتأصيل

تم نشره في الاثنين 27 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

مؤرخ العصر، عز علينا فقده، وما يهدئ الخواطر إلا هذا التراث الثر الذي سيبقيه حاضراً ابداً. وعبد العزيز الدوري اسم يحمل في ثناياه رموز الإبداع والتميز لتأصيل فكري متجدد، في موضوعات لها دلالاتها: التاريخ الاقتصادي، تأريخ التاريخي، وتاريخ الأمة العربية، ومع تداخل تلك الموضوعات بفكر أستاذنا أحياناً، فإن تساؤله الدائم "هل فهمنا التاريخ؟"، ربما كان منطلقاً مناسباً للإشارة إلى رمز من رموز الإبداع لديه، باتجاهه لدراسة التاريخ الاقتصادي لفهم التاريخ وتفسير أحداثه، وكانطلاقة مهمة نحو الأسس الحضارية.

فقد أدرك أستاذنا الدوري مبكراً أهمية الاقتصاد في تكوين المجتمعات وتطورها، وانطلق من هذه النظرة فقدم دراساته في هذا المجال، يأتي في طليعتها كتابه "تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري" 1948م سجل فيه أستاذنا الدوري ريادة في موضوعه، وفي فهمه للتاريخ الاقتصادي، تجاوز فيها دراسة الحوادث إلى ملاحظة التيّارات والاتجاهات، سواء كانت ظاهرة أم خفيّة، كان لها تأثيرها في فهم طبيعة المجتمع وتطوّره تبعاً للظروف.

أقول ريادة في موضوعه، مع علمي أن هناك بحاثة غربيين اشتغلوا في موضوع التاريخ الاقتصادي إلا أن دراسة أستاذناً الدوري، قدمت إطاراً عاماً للدراسات التاريخية الاقتصادية، وهذا بدوره شكّل حافزاً للعناية بالتاريخ الاقتصادي للمجتمعات العربية لتقارب البنى الاقتصادية فيها، فظهرت دراسات في هذا الاتجاه، وإن كانت قليلة، إلاّ أنها ذات أثر في التنبيه إلى دور الاقتصاد في تغيير أوضاع المجتمعات.

وتتابعت دراسات أستاذنا في هذا الاتجاه، فكان لكتابه "مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي"، 1969م بعد خاص في حقل الدراسات التاريخية الاقتصادية. نظراً لندرة الدراسات الشاملة في الحقول الاقتصادية المختلفة.

وتعطي هذه الدراسة خلاصة تحليليّة شاملة للتاريخ الاقتصادي العربي عبر اثني عشر قرناً، من القرن السابع إلى القرن التاسع عشر الميلادي، أي من بداية الدعوة الإسلامية ثم الخلافة وحتى نهاية العهد العثماني، سماها أستاذنا الدوري مقدمة في التاريخ الاقتصادي، للفت النظر على ما يبدو إلى الوحدة الاقتصادية، وإلى أهميتها في التطور التاريخي، وأثرها في إدراك التيارات الاجتماعية المختلفة.

والملاحظ أنّ الشمولية في هذه الدراسة، التي أكدت على الصلة بين الأحداث التاريخية في مصر وسورية ولبنان وفلسطين، على اعتبار أنّ التاريخ حركة متصلة، جاءت متناغمة مع تطور المجتمع العربي وتجاربه، مما ييسر معرفة أصول الأحداث وجذورها وتتبع تطورها.

لقد تفرّد أستاذنا الدوري بهذه الدراسة التحليلية للمجتمع العربي، فكشف عن الجذور، ليفهم تطور المجتمع وتجاربه.

وأعطى أستاذنا الدوري، اهتماماً واضحاً بالضرائب، تناول الجانب التاريخي، أو نواح منه، كما تناول الجانب الفقهي للموضوع، ضمنه مؤلفاته في التاريخ الاقتصادي والنظم والتاريخ السياسي.

واستمر اهتمام أستاذنا بهذا الجانب، فظهرت له دراسات أخرى هي في الواقع مجموعة من المقالات، ضمّنها إضافة للمعلومات الدقيقة، نتائج دراساته الطويلة عن الضرائب في الأمصار الإسلامية.

فأشار في مقاله "نظام الضرائب في خراسان في صدر الإسلام، 1964م" إلى تنظيم الضرائب في خراسان.

وقدّم في مقاله "نظام الضرائب في صدر الإسلام ملاحظات وتقييم، 1974" صورة نقدية عن وضع الضرائب في الشام والجزيرة.

كما أفرد أستاذنا الدوري في مقاله "التنظيمات المالية لعمر بن الخطاب؛ السواد والجزيرة"، 1985 الإجراءات والتنظيمات الضريبية في السواد والجزيرة. وهو من المقالات التي أعاد النظر فيها بضوء ما تيسر له من مصادر جديدة.

وتميز مقاله عن "تنظيمات عمر بن الخطاب للضرائب في بلاد الشام"، 1987 بأمرين؛ أولهما ما تضمنه من معلومات عن أوضاع الضرائب البيزنطية في بلاد الشام. وثانيهما أنه أشير في هذا المقال، وللمرة الأولى إلى وثائق برديات نصتان Nessana ومعلوماتها عن طرق الجباية أيام الفتح العربي، فكانت تلك الدراسة من أولى الدراسات التي تنبهت لأهمية تلك الوثائق في الموضوع.

إلى جانب ذلك جاءت مقالاته الأخرى بتخصيص الحديث عن جانب أو أكثر من جوانب التاريخ الاقتصادي كالزراعة والتجارة والصناعة، وإن كان موضوع الأرض قد نال قدراً من اهتمام أستاذنا الدوري لدلالته التاريخية.

فكان مقاله عن "نشأة الإقطاع في المجتمعات الإسلامية " 1970م، ومقاله عن "العرب والأرض في بلاد الشام في صدر الإسلام" 1974م، ومقاله عن" التنظيم الاقتصادي في صدر الإسلام" 1981م، ومقاله عن دور الوقف في التنمية 1997م.

والملاحظ أن أغلب هذه المقالات كانت في فترة صدر الإسلام، وهي فترة بالغة الأهمية باعتبارها فترة التكوين الحضاري الأولى للفكر والمؤسسات والحياة العامة، وبالتالي فهي فترة التّكوين أيضاً لملكية الأراضي أو استغلالها، تساعد في فهم المجتمع وبيان خطوطه الرئيسة المميزة له.

إن ما تقدم هو جهد فردي أبدع فيه أستاذنا الدوري في دراسته للاتجاهات والتيارات في التاريخ الاقتصادي.

ويجدر التنويه هنا إلى مشروع الفهارس التحليلية للاقتصاد الإسلامي الذي نهضت به مؤسسة آل البيت (المجمع الملكي سابقاً) وأشرف عليه أستاذنا بصبر ودقة فائقة، وكان لي شرف العمل بمعيته في هذا المشروع، فأسهم بحق في نشر المعلومات الاقتصادية المتضمنة في أمهات المصادر والمراجع والوثائق، وكانت محصلة هذا الجهد إنجاز ما اصطلح على تسميته بالفهارس التحليلية للاقتصاد الإسلامي، وفقا للمصادر، صدر منها خمسة وعشرون جزءاً ابتداء. وإنجاز الفهارس التحليلية للاقتصاد الإسلامي وفقاً للموضوعات، صدر منها خمسة وعشرون جزءاً أيضاً.

إضافة إلى خمسة أجزاء من الجامع لنصوص الاقتصاد الإسلامي الذي جاء مجمعاً ومرتباً على أبواب الموضوعات الاقتصادية المختلفة، وحسب حروف الهجاء.

وقيمة هذا التراث أنه إلى جانب تعبيره عن ثراء الفكر الفقهي في تاريخنا الإسلامي، فإنه قد يعرض لحلول واجتهادات محكمة، تناساها الزمن ، وقد يُحتاج إليها اليوم لمطابقتها لأوضاع معاصرة.

وكل ما سبق يدل على سعة أفق أستاذنا الدوري في التاريخ الاقتصادي، وتفرده إلى آراء جديدة فيه تجعل منه عِلْماً قائماً بذاته، في استمراره وانقطاعه، وفي استقراره وتغيره، وفي صعوده وهبوطه.

ويحضرني هنا قول مأثور لأستاذنا يجسد فيه نظرته للتاريخ الاقتصادي "إن الاهتمام بالتاريخ الاقتصادي يصدر عن تقدير لأهمية التراث والإفادة منه في مواجهة المشكلات الاقتصادية". فأقول لأستاذنا نم قرير العين فإن ما قدمته من آراء وملاحظات تقييمية في فهم هذا التاريخ الحي، ستبقى مع الزمن ركناً أساسياً في فهم أحداث تاريخنا، وستبقى خير تراث للأجيال أبدا.

*رئيسة قسم التاريخ بالجامعة الأردنية، والمقالة نص مداخلة قدمت في الندوة الاستذكارية التي نظمتها مؤسسة عبد الحميد شومان الاثنين الماضي

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عرض أكاديمي (د. مصطفى شـهـبندر)

    الاثنين 27 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    تحية مني للدكتوره غيداء خزنه كاتبي ، لعرضها المفيد لموضوع ، هو صلب تخصصهها الأكاديمي . .
    ,واني أعرف الدكتورة خزنة كاتبي حق المعرفة ، مثابرة ، متفردة في شغفها للمعرفة والعطاء ، اللذان هما جل همها ومبتغاها .
    د. مصـطفى شـهبندر
    [email protected]