فلسطينيو 48 في دولة "الشاباك"

تم نشره في السبت 25 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

لم يكن الاجتماع "الحساس والخاص"، الذي عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أيام، بحضور رئيس جهاز المخابرات العامة "الشاباك"، لبحث "شؤون" تتعلق بفلسطينيي 48، اجتماعا شاذا أو خارجا عن المألوف، لأن النظام الإسرائيلي الحاكم، تعامل طيلة أكثر من 62 عاما، مع فلسطينيي 48 من منظار المخابرات، ووفق ما تمليه عليه المؤسسة العسكرية الأمنية، بما يخدم المخططات الصهيونية الاستراتيجية، لضرب أكثر ما يمكن بهذا الجمهور الفلسطيني، الذي لم تنفع معه كل مخططات الاقتلاع، التي تنفذ حتى اليوم.

وكان من المفترض أن يمثل نتنياهو أمام الهيئة العامة للكنيست، ليدلي برده على الاستجواب المباشر والعاجل، الذي طرحه النائب محمد بركة، إلا أن نتنياهو لفلف أذياله وهرب من المواجهة كعادته، وبعث بوزير آخر يلقي ردا مكتوبا، وحينما توالت أسئلة بركة، تلعثم حتى قال إنه لا يعرف.

وحتى لو جاء نتنياهو، ما كنا نتوقع أن يكشف للجمهور ما سمعه من جهاز "الشاباك" من تحليل وتوجيهات، وأصلا فلا حاجة لنسمع لأن السياسة ملموسة، ونتائجها تعرضها التقارير الإسرائيلية الرسمية.

وفي الايام الأخيرة تكاثرت التقارير، التي تكشف مدى حجم السياسة العنصرية والتمييز العنصري الشرس الذي يمارسه النظام الإسرائيلي ضد فلسطينيي 48، وفي القطاعات ومجالات الحياة كافة، وآخرها معطيات التحصيل العلمي، التي أظهرت وفق اختبار دولي، أن تحصيل الطلاب اليهود يلامس معدلات النجاح العالمية، بينما تحصيل الطلاب العرب في قاع اللائحة، ولم يتأخر وزير التعليم غدعون ساعر، في المجاهرة بسعادته بهذه النتائج.

وكي لا نخطئ الحساب، فهذه النتائج ليست نتيجة قدرات عقلية، فيكفي أن نعرف ما تقره التقارير الرسمية، وهو أن الحكومة تصرف على الطالب العربي ما بين 25 % إلى 30 % مما تصرفه على الطالب اليهودي بالمعدل.

والفجوات كثيرة ومتعددة، فالبطالة بين العرب ثلاثة أضعاف نسبتها بين اليهود، ونسبة الفقر بين العرب ما بين ثلاثة إلى أربعة أضعاف النسبة بين اليهود، ومعدل رواتب العرب 67 % من معدل الرواتب العام، و60 % من معدل رواتب اليهود، والقائمة تطول وتطول، ولكن كل هذا نتيجة لمخططات سياسية استراتيجية، تطمح حتى لنتائج أسوأ مما هو معروض هنا.

وعلى كل حال فإن المستقبل مفتوح بالنسبة لحكام إسرائيل، فهم لا يكتفون بهذه السياسة، بل يبادرون لسلسلة مشاريع قوانين لتزيد من شراسة عنصريتهم، وتجعلها قاعدة لكل الحكومات التالية، ونحن متأكدون من أن الذروة الحالية التي سجلتها العنصرية الإسرائيلية ليست الأخيرة، بل المقبل سيكون أسوأ.

والهدف الاستراتيجي العام الذي تسير وفقه السياسة الإسرائيلية الرسمية، هو إضعاف فلسطينيي أكثر ما يمكن 48، وجعلهم شريحة تركض وراء قوت يومها، وهي لم تكتف بضرب القدرة على الحياة الكريمة من جوانبها كافة، بل في السنوات الأخيرة يعاني المجتمع الفلسطيني في الداخل من تنامي ظاهرة العنف الداخلي، وجرائم القتل تسجل ذروة مرعبة، ومعها انتشار المخدرات.

وما يجعلنا متأكدين من أن هذا أيضا يعود لدعم "خفي" من المؤسسة الحاكمة، هو امتناع الشرطة وأجهزة تطبيق القانون، من القيام بما هو مطلوب منها في الجرائم الجنائية، طالما ان القضية داخلية بين العرب، ولهذا ليس صدفة ان قضية العنف باتت على رأس جدول أعمال القوى السياسية.

إن التصعيد الإسرائيلي في الهجوم المتشعب على فلسطينيي 48، يعكس حالة الأزمة التي تعيشها المؤسسة الإسرائيلية ومن فوقها الحركة الصهيونية، فهناك قلق من عودة تنامي نسبة فلسطينيي 48 بين السكان، على ضوء التراجع الحاد في الهجرة اليهودية، وارتفاع نسبة تكاثر العرب، فهم يشكلون اليوم 17,6 % من مجمل السكان، ولكنهم أيضا حوالي 24 % من المواليد الجدد سنويا، و22 % من طلاب المدارس.

وما يقلق حكام إسرائيل أيضا، كون فلسطينيي 48 متمرسين في مواجهة التحديات، التي يواجهونها ويقاومونها منذ أيام النكبة وحتى اليوم، فعلى جانب كل المعطيات السلبية التي أوردناها، هناك معطيات مشجعة في المجالات الوارد ذكرها هنا كافة، رغم سياسة التمييز العنصري وتضييق الخناق في جميع مجالات الحياة.

التعليق