دروس من تركيا: نعم، لكن لمن؟

تم نشره في الجمعة 24 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

في السنوات الأخيرة تحولت تركيا الى ظاهرة أو الى "حالة دراسية" نتيجة للتحولات الكبيرة في الاقتصاد والسياسة التي جعلت من تركيا دولة محورية ذات دور يمتد من حدود الصين (أفغانستان) إلى ساحل الادرياتيكي (ألبانيا)، ومن صربيا والبوسنة في الشمال الى اليمن والسودان في الجنوب. وبعبارة أخرى لم تعد تركيا بلدا للفرجة والسياحة فقط بل أصبحت تجتذب التساؤلات والدراسات من كافة الارجاء للتعرف على مايجري فيها.

وفي هذا السياق يمكن الحديث عن تطورين مهمين بالنسبة للعالم العربي الاسلامي. أما الاول فهو وصول حزب "العدالة والتمنية" الى الحكم في 2002 بواسطة الانتخابات وتجديد الثقة به بعد ما أثبته من نجاح، والثاني تولي أحمد داود أوغلو وزارة الخارجية في 2008 الذي أعطى السياسة الخارجية التركية حيوية كبيرة تقوم على رؤية جديدة تنقل تركيا من موقع "الجسر" الرابط بين المراكز إلى "المركز" المحوري. وبعبارة أخرى فقد كانت التجربة التركية الجديدة تستدعي الاهتمام لنجاح حزب إسلامي معتدل في التعامل مع نظام حكم شبه عسكري يعتمد العلمانية الصارمة في السياسة والتعليم والثقافة، وبمراجعة العلاقات مع الجوار العربي الى حد التوصل مثلا الى تعاون استراتيجي مع سورية بعد أن كان هذا "التعاون الاستراتيجي" مع اسرائيل في المجال العسكري على الاقل.

وكان ممن تنبهوا لهذه التحولات الجديدة في تركيا "مركز القدس للدراسات السياسية" منذ تأسيسه في عام 2000، حتى أنه استضاف أول مجموعة من الوجوه السياسية التركية في مؤتمره "الأحزاب السياسية في العالم العربي" الذي عقده في 2002 بعمان.

ومن هنا فقد سرّني أن أجد نفسي مدعوا بين نخبة من المعنيين بهذه التحولات الجديدة في تركيا في الندوة التي عقدها المركز في مقرّه يوم السبت الماضي تحت عنوان "دروس من تركيا"، والتي جاءت لتكون تحضيرا لسلسلة من النشاطات الاقليمية (العربية التركية) خلال 2011.

وكان من الواضح في ورقة العمل الاولية أن الهدف كان استثارة أفكار واقتراحات مفيدة للنشاطات المقبلة، مع أن الورقة لخصت بشكل جيد الظروف الجديدة المحلية والاقليمية التي ساعدت على بروز الدور التركي الجديد في المنطقة. ومع ذلك يلاحظ هنا أن "الدروس" المقصودة كانت مفتوحة للجميع وليس للاسلاميين فقط الذين تمثلوا بالمستقلين والمنضوين ضمن "جبهة العمل الاسلامي"، حيث إن ورقة العمل اعتبرت أن هذه "الدروس" مفيدة أيضا للعلمانيين والقوميين العرب الذين بقوا على ماهم عليه كما أنها مفيدة أكثر للمعنيين بالاقتصاد بعد أن حلت تركيا بالمرتبة الثانية في العالم بعد الصين في التمنية الاقتصادية.

وكان من الملاحظ هنا أن بعض المستقلين الحاليين، الذين كانوا منضوين في السابق ضمن "جماعة الاخوان المسلمين" أو "جبهة العمل الاسلامي" ، أوضحوا أن التجربة التركية الجديدة حظيت باهتمام كبير لدى قيادات الصف الثاني والشباب، ولكن هذا لم يتحول الى خيار قيادي في المستويات العليا.

وبدا هذا واضحا في مداخلة السيد موسى الوحش عضو المكتب التنفيذي لـ "جبهة العمل الاسلامي" ، الذي اعترف بوجود ذلك، ولكنه اعتبره ضمن "تعدد الاصوات"، بينما أوضح بجلاء الموقف النهائي للجماعة والجبهة المتمثل في أن تجربة "حزب العدالة والتمنية" في تركيا غير قابلة للتكرار بالنسبة لهم لأن أردوغان وجماعته "تخلوا عن بعض الثوابت الاسلامية" وهو ما لا يمكن "أن يقبل به الشارع الاردني" على فرض أن قيادة الاخوان والجبهة قبلت به.

ما قيل في النقاش حول ذلك مهم لأمرين اثنين على الاقل؛ الحاجة إلى معرفة أكبر بما يدور في تركيا وعن تجربة "حزب العدالة والتمية" قبل وصوله الى الحكم وبعد وصوله الى الحكم، والحاجة إلى مشاركة "جبهة العمل الإسلامي" في النشاطات المقبلة لكونها أكبر كيان سياسي معني بالمشاركة السياسية للإسلاميين في الحياة الديمقراطية.

mm.arnant@alghad.jo

التعليق