عيسى الشعيبي

الكتابة بالحبر الأبيض

تم نشره في الجمعة 24 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

شأنه في ذلك شأن الماء الذي لم يجد العلماء، بعد جهد جهيد، تعريفاً له سوى أنه الماء، وكذلك شأن الدم الذي لا يمكن له أن يتحول في المآل الأخير إلى ذاك الذي لا طعم له ولا لون ولا رائحة، لا يكتسب الحبر صفته هذه إلا إذا كان في المقام الأول سائلاً صبغياً تراه العين المجردة، كالأسود أو الأزرق الدارجين، أو غير ذلك من المشتقات اللونية الأخرى قليلة الاستخدام، كالأحمر والأخضر وما لف لفهما على مسطر الألوان.

ولا تعرف عامة الناس ما هو الحبر الأبيض على وجه الدقة، إلا أنه يرتبط في الذاكرة البعيدة بذلك المداد الذي كان يستخدمه العملاء والجواسيس في كتابة تقاريرهم السرية المرسلة بالبريد من وراء الحدود، تحوطاً ضد الانكشاف، وذلك في زمن ما قبل شيوع الإنترنت واكتشاف التنضيد الضوئي في لغة المراسلات عبر الفضاء.

وبقليل من الجهد، عرفت أن الحبر الأبيض ما هو إلا مادة سائلة عديمة اللون، تحضّر أساساً من الكحول والكلور والنيتروجين، وبالتالي فهو يذيب ويخدر ويقتل، إلا أن الخبراء في عالم الجاسوسية طوروا هذه المادة لغايات تخدم شبكة العملاء المزروعين بين الأعداء، وتحول دون كشف مراسلاتهم أو وقوعهم في أيدي سلطات الأمن هنالك أو هناك.

ومع ذلك، يظل الحبر الأبيض مثيراً للخيال، وباعثاً على النقاء والصفاء، فضاءً تسكن فيه الأحلام، وتنام تحت برديه الأمنيات، وتهدهد فضاءه الأسئلة الحائرات، بل إن فيه من الدلالات الرمزية الموحية بالسكينة والصمت والتأمل والقول البليغ، أكثر بكثير مما ينطق به الحبر بألوانه المتداولة في سوق الوراقين، ويثرثر به باعة الكلام، وتصطفي مفرداته رسائل الغرام.

ولفرط انحيازي العاطفي للبياض، فكرت ذات مرة أن أبعث بمقالتي إلى "الغد" على ورقة مترعة بهذا اللون، الذي يشف عن أعمق ما في النفس من قول قد لا يقال، وما يمور في عوالمها الداخلية من رؤى وأفكار وخلجات لا يتسع لها المقام، وذلك تصديقاً للقول المأثور "الصمت أبلغ أحياناً من الكلام"، على أن أكتفي من الحبر بكتابة العنوان أعلاه وبالتوقيع في الذيل.

غير أنني أعلم سلفاً أن البياض في الصحافة أمر غير مقبول، إن لم أقل إنه ممنوع حتى في الصحف التي تخضع لمقص الرقيب في النظم التوليتارية. لذلك، وحتى لا أضع نفسي موضع السخرية، وأدرأ عنها عناء الأسئلة الاستنكارية التي كان سيمطرني بها رئيس التحرير ومساعدوه، آثرت سكة السلامة مسبقاً، وتجنب خوض غمار مساجلة خاسرة كلياً قبل أن تبدأ.

لذا فقد بقيت، رغم شغفي الشديد بالبياض، أدفع قلمي على هواه، أتوحد به على نحو حميم، وأحفظه في ركن ركين من الضمير، أستنطقه في شتى المسائل التي تخطر على البال، وبعض العناوين المنتقاة من فيض ما يلح على الذهن من موضوعات، خصوصاً عندما يختلط الهم العام مع الهموم الخاصة، وتتداخل القضايا الكبيرة مع الشؤون الشخصية الصغيرة.

وبعد، أفلم يكن بياض هذه الزاوية، الذي وشّته كل هذه الكلمات، قادراً على النطق بإيجاز والإجابة برصانة، أكثر بكثير مما أوحت به السطور من رسائل وطرحته من علامات استفهام حائرة، وهل هناك أبلغ قولاً من الصمت، حين يصبح الكلام لغواً، والقول هذراً، والأجوبة حطاماً من الآمال والمراثي الطويلة؟!.

Issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق