عبد العزيز الدوري وفكره القومي

تم نشره في الخميس 23 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً


لم يكن عبد العزيز الدوري مؤرخاً فذاً بين الجيل الثاني من المؤرخين العرب المحدثين، وإنما كان، بالإضافة إلى ذلك، مفكراً قومياً عربياً. وكانت أفكاره وآراؤه القومية امتداداً لآراء ساطع الحصري وقسطنطين زريق وعبد الله العلايلي من بعض الوجوه، وتعديلاً لها من وجوه أخرى. وانطلق في أفكاره القومية من دراسته لتاريخ العرب عبر العصور، لأنه كان يرى أن مسؤولية كتابة تاريخ أية أمة تقع على مؤرخيها. والمؤرخون العرب المحدثون، في نظره، بحاجة ماسة لدراسة تاريخ التأريخ عند العرب بروح نقدية قومية، بعد أن كتبه أناس نشأوا في بيئات غريبة وفي ثقافات أخرى، وافتقروا إلى الفهم الداخلي واستيعاب روح المجتمع العربي. لقد رفض الدوري المحاولات الغربية لاكتشاف قوانين تسير المجتمعات البشرية عليها، أو استنباط مبادئ وتوجهات عامة من خلال التأمل الفلسفي، مثلما رفض الحتمية التاريخية، والقول بأن التاريخ فوضى متصلة.

توصل الدوري إلى نظرية تاريخية قومية لتكوين الأمة العربية والحقب أو المراحل التي مرَ بها هذا التكوين، وهي: مرحلة ما قبل الإسلام، والمرحلة الإسلامية حتى القرن الثامن عشر الميلادي، والمرحلة الحديثة. في مرحلة ما قبل الإسلام نجد العرب العاربة (القبائل القحطانية اليمنية) والعرب المستعربة (القبائل العدنانية الشمالية) تجمعهم اللغة والسجايا. وقد استعمل العرب اللحيانيون والثموديون والصفائيون العربية بالخط المسند، بينما كان العرب اللخميون أول من اتخذ العربية لغة رسمية، واستعملوا الخط الآرامي النبطي الذي تطور منه الخط العربي الذي بدأ استعماله في القرن السادس الميلادي.

وفي المرحلة الإسلامية تكون المجتمع العربي الإسلامي، بعد أن أعطى الإسلام العرب عقيدة، وكون لديهم شعوراً برسالة، ورفض العصبية والأعراف القبلية، وأنشأ قيماً ومثلاً جديدة، وأبطل الغزو، وفرض الجهاد في سبيل العقيدة، وجاء بفكرة الأمة القائمة على العقيدة، وأنزل القرآن بلسان عربي مبين. فترسخت اللغة العربية، واكتسبت منزلة خاصة، ووحد الإسلام العرب، لأول مرة في التاريخ، في نطاق دولة واحدة، تضم عرب الشمال والجنوب، وتجمع البدو والحضر، إثر حروب الردة. وحددت الفتوح الإسلامية رقعة الوطن العربي.

وساهم استقرار العرب المقاتلة في الأمصار (البلاد المفتوحة)، وهجرة القبائل العربية إليها، وامتلاكهم الأراضي، وانتشار الإسلام بين غير العرب والعرب المسيحيين، وتعريب الدواوين في العهد الأموي، في تعزيز دور اللغة العربية كلغة رسمية. واختلط العرب مع سكان الأمصار بالمصاهرة، وتطور مفهوم العصبية القبلية إلى عصبية سياسية تقوم على المصالح المشتركة في كل مصر. وشعر العرب في صدر الإسلام (العهود: النبوي والراشدي والأموي) بحس مشترك، وبدور تاريخي مميز، باعتبارهم الفاتحين وحملة راية الإسلام، وأصحاب السلطة في الدولة. وشعروا بالتفوق على الشعوب الأخرى. ولما ضعف نفوذهم في العصر العباسي، وحذفوا نهائياً من ديوان الجند في عهد الخليفة المعتصم، اتجهوا إلى الاستقرار في الأرياف، وزراعة الأرض، والعمل في التجارة. فساعد ذلك على انتشار اللغة العربية في الأرياف، مثلما انتشرت، قبل ذلك، في المدن. وسهل انتشارها في المشرق العربي صلة القرابة بين اللغة ولغات السكان المحليين، ووجود العديد من القبائل العربية المستقرة فيه قبل الفتح الإسلامي.

أما في المغرب العربي، فقد كان للمدن التي أنشأها العرب الفاتحون كالقيروان وتونس وفاس، وانتشار الإسلام على يد الخوارج الصفرية والاباضية في أواخر القرن الأول الهجري، ونشاط التعريب على يد الأدارسة والأغالبة وبني صالح والفاطميين، والهجرة الهلالية في القرن الخامس الهجري، الدور الكبير في نشر اللغة العربية في المدن والأرياف.

ورافق التعريب تكوين الثقافة العربية خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة. وظهرت الدراسات الإسلامية (القراءات، والتفسير، والحديث، والمغازي، والفقه)، والدراسات العربية في اللغة والأخبار والأنساب والشعر. وركزت الدراسات التاريخية على تاريخ الأمة والتراجم. وازدهرت الترجمة من اليونانية والفارسية الى العربية. وتبلور الشعور بأن العرب أمة واحدة بين رجال الفكر في مواجهة الحركة الشعوبية، ويتضح ذلك في مؤلفات الجاحظ وابن المقفع والفارابي والمسعودي وابن خلدون. وتأكد لديهم مفهوم العروبة على أساس ثقافي لا عنصري. وتمثل الوعي العربي، على المستوى الشعبي، في منظمات العيارين والفتيان والأحداث والفتوة، إلى ما بعد القضاء على الخلافة سنة 1258 ميلادية. وقد خلص الدوري، بعد هذا العرض الموسع، إلى أن العرب قد اكتمل تكوينهم كأمة تربطها اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية، في القرون الثلاثة الأولى للهجرة.

أما ظهور الوعي والحيوية عند العرب، في نظر الدوري، فكان دوماً في إطار الإسلام/العروبة أو العروبة/الإسلام، حسب طبيعة التحديات التي واجهتهم أو قد تواجههم. فإذا كان التحدي خارجياً برز الوعي والمقاومة في إطار الإسلام، كما حدث عند غزو الفرنجة والمغول والغزو الغربي الحديث للبلاد العربية، وذلك بالدعوة إلى الجهاد لصده. أما إذا كان التحدي داخلياً ناجماً عن الضعف والتدهور والانحلال المجتمعي، برزت فكرة العروبة المقترنة بالإسلام، والأمثلة على ذلك التصدي للشعوبية في العهود الإسلامية، وقيام الحركتين الوهابية والسنوسية لإصلاح المجتمع بالعودة إلى الإسلام الأول، ورفض الإسلام الرسمي الذي يمثله العثمانيون، واستنهاض العرب للقيام بدورهم في حمل راية الإسلام.

وهكذا نرى أن الدوري قد وضع نظرية لتكوين الأمة العربية لم يسبقه إليها أحد من المفكرين والمؤرخين العرب. فالأمة العربية، حسب نظريته هذه، "عربية بلغتها، إسلامية في تراثها ووجهتها"، وأنها قد تكونت عبر التاريخ، على أساس لغوي ثقافي. وكانت ثقة الدوري بالوعي العربي الحديث لا حدود لها، في مطلع الستينيات من القرن العشرين، والمد القومي العربي في أوجه. واعتبر الروح الثورية السائدة، آنذاك، سبيلاً لبناء المجتمع العربي الجديد، مؤكداً أن "الثورة لا تأتي من فوق بل يجب أن تنطلق من القاعدة وتمثل الشعب بكامله". وكان التفاؤل طاغياً على تفكيره حتى وفاته.

رفض الدوري النظريات العربية الحديثة في تكوين الأمة التي قبل بها وتبناها كثيرون من المفكرين العرب في القرن العشرين وعلى رأسهم ساطع الحصري. ورد عليهم بنظريته الآنفة الذكر. وشكا الدوري من ضعف المؤسسية في الفكر القومي ومن البون بينه وبين ممارساته، وحاجته الماسة إلى مناخ أوسع من الحرية وإلى اقتراب أكثر من الجماهير الشعبية والاستجابة لحاجاتها. وتعدد الاتجاهات في هذا الفكر يثريه ويغنيه. ودعا إلى إعادة النظر في الأنظمة التعليمية وتوجيهها نحو الديمقراطية والتركيز عليها.

ولمواجهة العولمة الثقافية التي تشكل تهديداً لثقافتنا القومية وتحدياً كبيراً لها، دعا الدوري إلى تركيز مقومات الثقافة العربية والارتقاء بها، والى الانفتاح الثقافي، للحاق بالعصر بالإفادة من ثورة المعلومات والاتصالات ومن الثورة العلمية والتقنية.

وظل يرى الوحدة العربية هدفاً للمفكرين والمثقفين العرب وحلماً للجماهير العربية، بعد أن تبين عجز الدولة القطرية عن مواجهة المشكلات الكبرى مثل: التنمية المستقلة، والتهديد والتدخل الخارجيين، والمساهمة في الثورة التقنية، والعولمة الثقافية، وأخذ الدوري على المفكرين القوميين، بعامة، عدم اتفاقهم على أسلوب أو أكثر للوصول إلى الوحدة العربية، كما أن سبل تحقيق هذه الوحدة لم تنل اهتمامهم. فهناك صيغ للوحدة العربية مثل: الوحدة الاندماجية، والوحدة اللامركزية، والاتحاد الفيدرالي، والاتحاد الكونفدرالي، وهناك مؤسسات لكل صيغة من هذه الصيغ، لم يتناولها المفكرون العرب، على أهميتها. ودعا إلى قيام مؤسسات وحدوية تتجاوز القطر الواحد، مهنية واجتماعية وثقافية وسياسية ذات طابع شعبي لجعلها أكثر فاعلية وأوسع نطاقاً.

وخلاصة القول، لقد كانت مساهمة عبد العزيز الدوري في إثراء الفكر القومي العربي مساهمة كبيرة اتسمت بالطابع العلمي الأكاديمي وبالاستقلال عن النظريات الغربية والقومية.

* أستاذ شرف التاريخ العربي المعاصر بالجامعة الأردنية والمقال نص مداخلة قدمها الدكتور محافظة في الندوة الاستذكارية التي أقامتها مؤسسة عبد الحميد شومان مساء الاثنين الماضي

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رجل سامق ذو تفكير رائق (د. خالد أبو عمشة)

    الخميس 23 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    لقد غيب الموت إنساناً غالياً وعزيزاً على قلوب الأكاديميين الأردنيين والعراقين بل والعرب قاطبة، فلقد فقدت أسرة الجامعة الأردنية الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري أستاذ التاريخ العربي.
    كلمة حق تقال في هذا الرجل رحمه الله:

    إنه رجل وإنسان وعالم فذ بكل معنى الكلمة، قام بعمله على أكمل وجه بكل إخلاص وتفان وبكل طيبة ورحابة صدر، كان يعمل بصمت وصبر ويؤدي عمله بكل إتقان لكل من يطلب منه على السواء. كان يعمل عملاً متواصلا من دون ملل ولا كلل حتى في ساعات راحته.