تقسيم الدوائر الانتخابية بقانون وليس بنظام!

تم نشره في الخميس 23 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

تعالت في الأسابيع الأخيرة موجات النقد الموجه إلى "بدعة" الدوائر الفرعية (أو الوهمية أو الافتراضية) التي خرج بها قانون الانتخاب المؤقت رقم (9) لسنة 2010، والتي جرت على أساسها انتخابات مجلس النواب السادس عشر. وكانت تلك "البدعة" قد أفرزت نواباً فازوا بعدد أصوات تقل بعدة آلاف على نواب آخرين في الدائرة نفسها، ما طرح للتساؤل مكانة الدائرة الانتخابية في العملية برمتها.

وكان من أوجه النقد لهذه "البدعة"، التي لا نظير لها في الأنظمة الانتخابية المعاصرة، هو أنها دوائر فرعية تحدد عدد المتنافسين من المرشحين، لكنها لا تشمل الناخبين أنفسهم. فكيف يمكن لدائرة انتخابية أن تتحدد بمعزل عن الناخبين ومناطقهم الجغرافية؟!

تتضح هذه المفارقة لو أن أحد نواب المجلس السادس عشر توفاه الله فجأة (وهو ما حصل فعلا)، ما يتطلب انتخابات اعادة لشغل المقعد الشاغر، فإن هذه الانتخابات ستجرى على أساس الدائرة الأصلية وليس الدائرة الفرعية التي صعد عنها النائب المتوفى، حيث إن ناخبي النائب المتوفى غير محددين على أساس الدائرة الفرعية أو الوهمية.

إن غموض "بدعة" الدائرة الفرعية وجهل الناخبين بطبيعتها، قد ضرب بعرض الحائط أبسط مبادئ الديمقراطية الانتخابية التي تقوم على الوضوح وتوفر المعلومات والوعي بقواعد الانتخاب. لكن النقاش العام ما يزال قاصراً عن التصدي لجذر المشكلة، ألا وهي أن الدوائر الانتخابية الرئيسية منها والفرعية تحدد بنظام من قبل الحكومة، وليس كما يجب أن تكون بقانون. فالحكومة تقوم عادة قبيل الانتخابات النيابية العامة بتقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية وتحدد عدد مقاعد كل منها بموجب نظام، هذا هو حال النظام رقم 26 لسنة 2010، نظام الدوائر الانتخابية الصادر بمقتضى المادتين (50) و(51) من قانون الانتخاب المؤقت لمجلس النواب رقم 9 لسنة 2010. رغم أن الدوائر الانتخابية وأسس تقسيمها من الأهمية القصوى التي تتطلب وضعها بموجب قانون يقره البرلمان .

وعليه، فإن المناقشة العامة لقانون الانتخاب المؤقت، وأي جهد لإصلاحه أو استبداله بقانون جديد، يجب أن تعيد الاعتبار لأهمية الدوائر الانتخابية، وأن لا يترك أمر تحديدها وعدد مقاعدها لمجلس الوزراء فقط.

إن الاعتراض الواسع على "بدعة" الدوائر الفرعية، يجب أن يضع على بساط البحث مسألة الدوائر الانتخابية برمتها وأن تناقش أسس تقسيمها جغرافياً وسكانياً بشفافية، وأن توضع معايير لتقسيم الدوائر تراعي مبادئ العدالة والمساواة بين المواطنين، وأن ترسم حدودها بوضوح، ما يسمح بإعادة تسجيل الناخبين على أساسها، خاصة في ضوء ترحيل الأصوات بين الدوائر، وضياع حقوق مئات الآلاف من الناخبين بعد إعادتهم إلى الدوائر التي كانوا قد نقلوا منها عشية انتخابات 2007، لكنهم لم يبادروا إلى إعادة تسجيل أنفسهم في دوائرهم الأصلية.

إن المركز الوطني لحقوق الانسان سوف يصدر قريباً تقريره عن مراقبته لانتخابات المجلس السادس عشر، والأرجح أنه لن يشذ عن النقد الذي أوردته تقارير الرقابة الدولية لتلك الانتخابات، وربما يفوقها صراحة ووضوحاً في نقده للاطار الانتخابي (القانوني والسياسي) الذي جرت على أساسه الانتخابات المذكورة. فهل تبقى للحكومة من حجة للمكابرة أو التردد في الاقدام على اصلاح شامل ونوعي لقانون الانتخاب؟!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال متميز (عمار)

    الخميس 23 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    مقال متميز بلا شك كما عودنا استاذنا الكبير هاني الحوراني. لكن يا حبذا لو تبتعد عن موضوع مراقبة الانتخابات النيابية حتى لا تفتح الجروح علينا بتحالف مراقبة الانتخابات 2007. رجاء خاص
  • »التفاف (ابو خالد)

    الخميس 23 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    حفزتني مقالتك يا استاذ هاني لأن اجمع ما يجول بخاطري منذ فترة من فكرة تحوي ما جاء بمقالتك ولكنها اعم.
    فنحن نعرف ان دستورنا متقدم جدا ونظم العلاقة بين الدولة ومواطنيها ولكن القوانين التي تأتي لوضع هذا الدستور موضع التنفيذ يكون سقفها اقل رحابة من الدستور نفسه وكأنها تحد من سقف المباح فيه والأنظمة التي تأتي لتفسر هذه القوانين ولتضعها موضع التنفيذ ,تقلل اكثر واكثر من سقف رحابة القانون وبالتالي من الدستور وحتى لا اتكلم بالعموم سأعطي مثلا ,فالدستور يبيح للاردنيين حق التعبير عن الرأي والتجمع والتظاهر لكن القوانين والانظمة التي وضعت لتنفيذ هذه المادة قيدتها واعطت الحق للمتصرف او المحافظ بأن يعطل هذه المادة الدستورية المهمة ومثال اخر يبين كيف يتم تفصيل القانون لتأخذ الدولة حقها وكيف يفصل النظام بحيث يعفي الدولة من اعطاء الحق,فعندما تريد الحكومة من شبابها ان يخدموا سنتين "شبه مجانا" فأنها تسن قانون لخدمة العلم وعندما تريد ان لا تعطي لموظفيها حقوقهم الكاملة فأنها تسن نظام الخدمة المدنية,انا لست قانونيا ولكن اعتقد بأن الحاجةاصبحت ملحة في الاردن لمحكمة دستورية ,تراجع القوانين والانظمة لتبين مدى دستوريتها قبل وضعها موضع التنفيذ,مجلس تفسير الدستور الموجود حاليا لا يغني عن وجود محكمة دستورية .