د.باسم الطويسي

الموازنة بداية الإصلاح

تم نشره في الأربعاء 22 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

قامت الخبرة الاقتصادية الأردنية خلال العقود الماضية على مواجهة الأزمات الاقتصادية بالحلول السياسية من خلال قدرات استثنائية في جلب المساعدات الخارجية العربية والغربية، وما يجري اليوم يبدو في بعض ملامحه انعطافا تاريخيا في البحث عن حلول اجتماعية للأزمات الاقتصادية.

وكما هو معروف فالحلول الاجتماعية قصيرة المدى، ولا يمكن أن يلقى على عاتقها أعباء تفوق طاقة المجتمع على التحمل. فما يزال الفكر الاقتصادي المحلي عاجزا عن إيجاد حلول اقتصادية للأزمات الاقتصادية، فبعد أن أفرغت الحلول السياسية وتآكل دورها بفعل محددات خارجية، لا يمكن الاتكاء على الحلول الاجتماعية؛ فهناك حدود لصبر الناس وطاقاتهم على التحمل، ما يذهب بنا إلى أن الخطوة الجوهرية في اكتشاف صدق نوايا الإصلاح كما تكشفها الموازنات المالية للدولة، الأمر الذي يطرح السؤال الجوهري؛ هل تمثل موازنة العام المقبل التي ستطرح قريبا على البرلمان موازنة إصلاحية يوثق بها.

الموازنة العامة للدولة تعد أدق وثيقة تعبر عن برنامج عمل الحكومة التفصيلي لعام بأكمله، وتعكس الاتجاهات الاجتماعية والسياسية للدولة بتعبيرات اقتصادية، لذا فالاختبار الحقيقي للإرادة الإصلاحية تعكسه أرقام الموازنة العامة للدولة قبل أي شيء آخر، ولعل مراجعات وثائق موازنات سنوات ماضية هو أحد المؤشرات على مدى توفر إرادة الإصلاح من عدمه.

حينما ظهرت فكرة الموازنة العامة للدولة لأول مرة في بريطانيا في القرن الثامن عشر وفي فرنسا في القرن التاسع عشر استخدمت هذه الخطة كأداة أساسية لخلق تراكم في الإصلاحات الاجتماعية والسياسية بتعبيرات اقتصادية ومالية صرفة، وكانت الأداة الأساسية التي دفعت نحو الانتقالات الاجتماعية الكبرى نحو تطوير نوعية الحياة وتحقيق قدرات توزيعية أفضل للموارد التي يمتلكها النظام السياسي والاجتماعي، ومن هنا ولدت فكرة المناقشات العامة والمعمقة للموازنات العامة ويروي تاريخ الصحافة الغربية كيف كانت الموازنات تحدث نقاشات معمقة وجريئة يشارك فيها كبار الفلاسفة والمفكرين.

إعادة التفكير في منهجية مناقشة الموازنة العامة للدولة تتطلب في البدء عدم ترك هذه المهمة لصناع السياسة المالية فقط، فنحن بأمس الحاجة ان نضفي على برنامج العمل المالي منطلقات اجتماعية وسياسية من الدرجة الأولى تضمن ترجمة فعلية للنوايا الإصلاحية.

نحن بحاجة إلى التفكير في أربعة محاور أساسية في سبيل ان تعكس الموازنة العامة للدولة رؤية إصلاحية فعلية تبني التراكم المطلوب اجتماعيا وسياسيا، المحور الأول؛ ان تمثل وثيقة الموازنة العامة الولاية العامة لموارد الدولة بحيث تظهر فيها وتخضع لها كافة الموارد بما يضمن شفافية الاطلاع العام على الإيرادات والنفقات لمؤسسات الدولة بحيث لا نعود نسمع ثمة إيرادات ونفقات لا تخضع للموازنة العامة. ثانيا؛ مراجعة مسار حسابات وتدقيق المنح والمساعدات الخارجية والطريقة التي تظهر بها في الموازنة العامة وحجمها الفعلي ، ثالثا؛ إعادة هيكلة وتوجيه الإنفاق العام ليعكس البرامج الإصلاحية ببعدها المجتمعي الفعلي والتحقق من مدى تلبيتها للحاجة المزمنة في تطوير قدرة المالية العامة في ترجمة عدالة توزيع الموارد أفقيا وعموديا، رابعا؛ الموازنة العامة تعكس جانبا من علاقة المجتمع بالدولة وجانبا مهما من علاقة المجتمع بالسوق، وفي الأمرين هناك اختلالات عميقة تبرزها في الحاجة الأولى القدرات التوزيعية للنظام السياسي ومدى عدالة الأسعار التي تتقاضاها الدولة للخدمات التي تقدمها وفي الحالة الثانية إصلاح النظام الضريبي.

في الأردن حديث لا ينتهي عن الإصلاح، وعلى الأغلب نتجاوز المنطلقات الأولى لإصلاح الحياة العامة وأهمها على الإطلاق الموازنة العامة للدولة ومن هنا يبدأ الإصلاح الفعلي.

[email protected]

التعليق