مكافحة الفساد ... مسيرة متعثرة!

تم نشره في الأحد 19 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

مرت حوالي خمس سنوات على رسالة جلالة الملك إلى رئيس الوزراء الأسبق د. عدنان بدران، والتي دعت لإنشاء هيئة "لتنفيذ استراتيجية عامة لمكافحة الفساد". ففي 26 حزيران 2005، دعا الملك إلى تشكيل هيئة مستقلة لوضع وتنفيذ هذه الاستراتيجية، وأكد على "استقلالية هذه الهيئة وضمان عملها بعيداً عن أي تأثير أو تدخلات من أي جهة كانت"، وإلى خضوعها، أي الهيئة، لمعايير المساءلة والمحاسبة. ولضمان ذلك دعا إلى "اختيار الأشخاص المنضوين في عمل هذه الهيئة عبر آلية تسمح بمشاركة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في عملية تزكيتهم والتوصية بهم".

حينذاك كان الأردن يتبوأ المرتبة 37 من أصل 145 دولة تشملها مؤشرات منظمة الشفافية العالمية عن مدركات الفساد في العالم. وهي مرتبة نتمنى أن نعود إليها، رغم أنها، في حينها، كانت دون طموحنا كبلد ومجتمع، ما دعا جلالة الملك إلى تحسينها من خلال تشكيل هيئة لمكافحة الفساد وتنفيذ خطة استراتيجية لاستئصال هذه الآفة التي "تبدد الطاقات وتكرس الإحباط وتزعزع ثقة المواطنين بمؤسساتهم وتحرمهم من فرصهم المشروعة"، على حد تعبير رسالة الملك، والمشار إليها أعلاه.

وبينما احتفلنا قبل ايام مع بقية دول العالم باليوم العالمي لمكافحة الفساد بمهرجانات وندوات، فإن ترتيب الأردن في مؤشرات مدركات الفساد لعام 2010 كان يتراجع عن العام السابق بنقطة كاملة إلى المرتبة 50 بين الدول المدرجة في المؤشرات، ليحصل على علامة 4.7 من أصل العلامة الكاملة وهي 10 نقاط، أي أقل
بـ 0.3 علامة عن السنة السابقة. وكان أفضل سجل للأردن حين حقق علامة 5.4 نقطة عام 2006، ليعود في العام التالي ليهبط إلى 4.7 نقطة، وليتراجع ترتيبه من بين الدول من 40 من أصل 163 دولة عام 2006، إلى المرتبة 53 من أصل 179 دولة عام 2007، ما شكل، حينذاك، صدمة مدوية للأوساط الحكومية والرأي العام على حد سواء.

لقد وقع هذا التراجع على صعيد الفساد، بموجب مؤشرات مدركات الفساد الدولية، رغم انهماك الأردن خلال السنوات الخمس الأخيرة في بناء منظومة تشريعية ومؤسسية لتعزيز الجهود الوطنية الرامية لمكافحة الفساد وتوطيد مبادئ المساءلة والشفافية، وكان من أبرز معالمها وضع قانون هيئة مكافحة الفساد رقم 62 لسنة 2006؛ قانون اشهار الذمة المالية رقم 54 لسنة 2006؛ قانون مكافحة غسيل الأموال رقم 46 لسنة 2007؛ قانون ضمان حق الحصول على المعلومات رقم 47 لسنة 2007 وقانون ديوان المظالم رقم 11 لسنة 2008. هذا عدا عن مباشرة كل من هيئة مكافحة الفساد وديوان المظالم لعملهما خلال السنوات القليلة الماضية.

والواقع أن الفشل الذي يلاحقنا على هذا الصعيد لا يقتصر على تراجع مكانة الأردن في مؤشرات مدركات الفساد التي تضعها منظمة الشفافية الدولية، سنة بعد أخرى. وإنما يتجلى أيضاً في استطلاعات الرأي العام وقادة النخب في الأردن، وفي ترسخ اعتقاد عام يرى أن المتورطين في جرائم الفساد لا يلقون العقوبات المناسبة، كما لا تسترد الأموال المختلسة أو التي تم التصرف بها بصورة غير مشروعة.

فمن الملام عن الحصيلة البائسة لجهود مكافحة الفساد؟! تقع المسؤولية بالدرجة الأولى على الحكومات المتعاقبة التي استسهلت اصدار التشريعات المشار إليها أعلاه، ربما طمعاً في تحسين مكانة الأردن في مؤشرات مدركات الفساد الدولية، لكنها تجاهلت أموراً أخرى، أبرزها جودة التشريعات وصرامتها، أي قدرتها على أن تكون قوة رادعة للفاسدين والمفسدين، وثانيها أن التشريعات وحدها لا تكفي إذا لم تسندها أدوات تنفيذية تقوم عليها هيئات يتم اختيارها وفق معايير شفافية ومهنية، وأن تتمتع هي ذاتها بالشفافية، كما شدد جلالة الملك في رسالته المشار إليها أعلاه.

ومن هنا يحق لنا التساؤل عن مدى تمتع هيئة مكافحة الفساد بهذه المؤهلات في مرحلتها التأسيسية، وما إذا كان علينا أن نعيد النظر في منظومة الشفافية والمساءلة لجهة تعزيز استقلاليتها وكفاءتها وفعاليتها؟!

هنا أيضاً يجب أن نوجه اللوم إلى مجالس النواب الأخيرة على ضعف ملاحقتها لقضايا الفساد، وغياب المردودية على صعيد التحقيق في قضايا الفساد التي نظرت فيها هذه المجالس، على قلتها.

ولا يقل أهمية هنا أن نُسائل منظمات المجتمع المدني أيضاً، لا فقط عن ضعف رقابتها على المؤسسات العامة والخاصة لجهة التأكد من شفافية هذه المؤسسات، وملاحقة قضايا الفساد فيها، وإنما أيضاً لغياب أي جهد من جانبها للارتقاء باتجاهات الرأي العام نحو الفساد، حيث تحظى أكثر الممارسات الفاسدة انتشاراً، ألا وهي الواسطة والمحسوبية واستغلال المنصب الحكومي للحصول على منافع غير مشروعة، بنوع من القبول الاجتماعي، حيث لا يتورع المواطنون عن طلب منافع ومعاملات تفضيلية عن طريق الواسطة والمحسوبية، من دون أن يقابل ذلك حملات توعية وتثقيف بأن ما يقومون به يعد شكلاً من أشكال الفساد والانتفاع غير المشروع.

لقد سبق لي في عام 2008 أن توجهت إلى الفرع الأردني من "برلمانيون عرب ضد الفساد" والذي يرأسه النائب ممدوح العبادي بالسؤال عما فعله الفرع المذكور بعد انتخاب المجلس النيابي الخامس عشر، وهل أُعيد تشكيله من نواب جدد، وما هو برنامجه؟! (انظر "الغد"، بتاريخ 14/9/2008). ولن أُعيد طرح السؤال نفسه هنا، فالوقت ربما لم يحن بعد لمعاودة تشكيل الفرع المذكور من أعضاء المجلس السادس عشر، لكني أتساءل، وبألم، ماذا فعلت جمعية الشفافية الأردنية التي يرأسها النائب د. ممدوح العبادي، منذ تشكلت في أواخر تموز 2009؟ ولماذا غابت عن الرأي العام منذ ذلك الحين، إذ اقتصر نشاطها المعروف على اشهار الجمعية، من دون أن يليه ما يُفصح عن وجود نشاط يُذكر لها على صعيد أهدافها المعلنة، وهي تجذير ممارسات الشفافية والنزاهة واقتراح القوانين المعززة للمساءلة والمحاسبة ونشر الوعي حول الشفافية.

لقد كنا نعرب عن سعادتنا لظهور المزيد من الجمعيات المتخصصة، والتي تحمل رسالة وأهدافا محددة، ونعتبر إنشاءها علامة على تطور وتنوع اهتمامات المجتمع المدني، ومن هذا المنظار نظرنا، قبل عدة سنوات، إلى نشوء جمعية للحوكمة الرشيدة، برئاسة الوزير السابق والنائب الحالي د. محمد الحلايقة. وهكذا نظرنا إلى اعادة تشكيل الفرع الأردني من منظمة الشفافية الدولية، والذي ضم 20 مؤسساً، من بينهم وزراء سابقون ونواب واعلاميون وقادة منظمات مجتمع مدني.

لكن أثر هذه الجمعيات في الحياة العامة والمجتمع لا يبدو ظاهراً أو فاعلاً، ما يشركها في تحمل المسؤولية عن تراجع موقع الأردن في مدركات الفساد الدولية. إذ ليس عبثاً أن يُقال إن مسؤولية مكافحة الفساد وتعزيز قيم الشفافية والنزاهة هي مسؤولية مشتركة. إن الأردن لن يتقدم على هذا المسار، من خلال الاحتفالات واطلاق التصريحات في اليوم العالمي لمكافحة الفساد، وإنما بتكامل الجهود الحكومية والبرلمانية والمجتمعية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا يفتى ومالك في المدينة (القارئ قيس)

    الأحد 19 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    ان خير من يستشار حول هذا الموضوع هما اثنين - الكاتب المعروف في جريده الغد الدكتور ابراهيم غرايبه والباحثه الدكتوره مي الطاهر
  • »Question Mark (ابو خالد)

    الأحد 19 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    Easy & Simple,The Government Is Not Serious In Fighting Corruption ,When It Uses Nepotism & Cronyism In Filling The Key & Senior Official Positions .This Is One Thing,The Other Thing Is That The Government Doesn't Respect The Decrees It Issues & Circulate Regarding Austerity Measures That Call For Reducing The Public Expenditure,Once They Do ,We May Believe Them