د.باسم الطويسي

إدارة الأزمات المحلية أم حلها؟

تم نشره في الثلاثاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

مر الأردن بثماني حكومات منذ مطلع الألفية الجديدة حاولت اجتياز مرحلة العبور نحو الإصلاح الفعلي، وحققت إنجازات وفق ظروفها؛ إلا أنها جميعا لم توفق في اجتياز مرحلة العبور؛ أي البداية بالدخول إلى عملية إصلاح حقيقي والتي تعني حسم أزمات الإصلاح والتنمية السياسية، أو على اقل تقدير الدخول في مسار جدي في البحث عن حلول. وهي أزمات ليست حكرا على المجتمع الأردني، فكل مجتمعات العالم لديها تناقضاتها لكن تفاقمها على مدى عقود يقود المجتمع والدولة إلى الحافة.

هذه الأزمات تعد جزءا من مصادر إعاقة بناء الدولة الوطنية، وهي أزمات الهوية والشرعية والمشاركة والاختراق والاندماج والتكامل والتمأسس والتوزيع، على الرغم من أن مضامين هذه الأزمات متباينة من مجتمع إلى آخر وقد تظهر أزمة ما في هذا المجتمع أكثر من غيرها إلا أن العديد من العناوين العامة لهذه الأزمات مشتركة.

الأزمات السبع السابقة واجهت الحكومات الأردنية التي أعلنت خطابات إصلاحية، الحكومات من دون استثناء اشتغلت على تلك الأزمات من مدخل إدارة الأزمات وليس حلها، بل تعاملت معها وكأنها قدر لا مفر من استمراره، إلا أن أيا من الحكومات لم تحسم واحدة من هذه الأزمات ولم تطرح رؤية واضحة حولها، ولعل غياب تعريف رسمي واضح لمفهوم الإصلاح السياسي أحد الأمثلة الراسخة على عمق تجذر مدخل إدارة الأزمات وغياب مدخل الحلول.

ومع أن عقارب ساعة الإصلاح بقيت تتراجع وتراوح مكانها، تارة بفعل حالة الطوارئ المحيطة، وتارة أخرى بفعل تجاذبات الداخل، إلا أن الحكومات الأردنية التي تعاملت مع مشروع الإصلاح لم تحدث اختراقا حقيقيا للعمق المجتمعي، أي أنها بقيت عاجزة أمام ما يسمى "أزمة الاختراق" التي تعني الوصول بخطاب الإصلاح إلى كافة فئات المجتمع الأردني. بمعنى وضع سياسات وبرامج تعمم على جميع المواطنين وتخاطب تفاصيل حياتهم اليومية وتصلهم في أبعد النقاط عن مركز النظام السياسي وأقربها.

والأمر الذي ضاعف من أثر أزمة أخرى ممعنة وهي "المشاركة"، ففي مرحلة ما قبل العبور نحو الإصلاح تبدو أزمة المشاركة على محورين: الأول التدفق المفاجئ للفاعلين السياسيين الجدد داخل العملية السياسية، وتضخم حجم النخب السياسية ما يستدعي المزيد من التوترات والاستقطاب مقابل عدم قدرة المؤسسات السياسية على استيعاب الجميع. المحور الثاني احتكار هذا الشكل من المشاركة المأزومة على المركز فقط وغياب الأطراف وامتدادات المجتمع الأخرى، وبالتحديد في المحافظات والبادية وترددت لدينا مقولات (الأغلبية الصامتة) وغيرها.

وعلى المحورين السياسي والاجتماعي لم توفق الحكومات الأردنية في استيعاب أزمات الاندماج والتكامل، حيث نمت أزمة الاندماج الاجتماعي، بمعنى آخر اننا لم نوفق بعد في إنتاج "رأس المال الاجتماعي" الذي يشكل الأرض الخصبة للإصلاح في القيم والمعاني والإرادة المشتركة ومنه تتشكل (الجماعة الوطنية المدنية) التي تعمق استيعاب المجتمع للإصلاح وتحرص دائما على إبقاء خطابات الإصلاح والتنمية السياسية في دائرة الحكمة والعقلانية واستشعار المصالح الوطنية بحساسية واضحة. وبقيت أزمة مأسسة الإصلاح الأكثر وضوحا والمتمثلة في عدم القدرة على تحويل فعاليات وجهود الإصلاح إلى أطر مؤسسية وتشريعية واضحة يمكن البناء التراكمي فوقها، حيث بقيت الحكومات الأردنية مترددة في إطلاق القوانين الأساسية المرتبطة بالإصلاح السياسي، مثل قوانين الأحزاب والانتخابات ومكافحة الفساد، وتبدو أزمة القدرات التوزيعية للحكومات السابقة واحدة من أكثر الأزمات احتداما، وتعني التوزيع العادل للقوة والثروة والسلطة بين أقاليم الدولة وفئات المجتمع، وفي أحد جوانبها جربت مرات قليلة فكرة القفز على "التوازن الجهوي" في تشكيل النخب الحكومية ولكنها فشلت فشلاً كبيرا في خلق العدالة في توزيع الموارد .

إدارة الأزمات وفق النموذج الأردني تعني أننا جميعا حكومات ونخبا ومجتمعا نتحدث ونجيد وصف الأزمات وتحديد ملامحها وخصائصها والإحالة عليها، ولكن لا أحد يتحدث بجرأة ووضوح عن الحلول.

التعليق