مكافحة الفساد وحقوق الإنسان

تم نشره في الخميس 9 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

يصادف اليوم التاسع من كانون الأول (ديسمبر) اليوم العالمي لمكافحة الفساد. ففي الحادي والثلاثين من شهر تشرين الأول (أكتوبر) لعام 2003 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 58/4 على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي تشرفت برئاسة التفاوض الدولي بشأنها وحددت بموجب نفس القرار أن يكون التاسع من كانون الأول (ديسمبر) من كل عام يوماً عالمياً لمكافحة الفساد. كما يصادف غداً العاشر من كانون الأول (ديسمبر) اليوم العالمي لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من أن هذا التتابع جاء بمحض الصدفة إلا أن العلاقة بين الاثنين علاقة محورية ومهمة. فقد أشار الأمين العام للأمم المتحدة السابق السيد كوفي عنان في مستهل تصديره للاتفاقية "إلى أن الفساد يؤدي إلى ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان". ولعل هذا أقل ما يمكن أن يقال عن العلاقة بين الموضوعين. فإذا علمنا بان الفساد يقوض الحياة السياسية والديمقراطية وسيادة القانون، ويؤدي كذلك إلى إلحاق أفدح الأضرار بالتنمية الاقتصادية وتشويه الأسواق وتدهور نوعية الحياة، ويتيح ازدهار الجريمة المنظمة الوطنية وعبر الوطنية، ويساعد على انتشار الأعمال الإرهابية وغير ذلك من التهديدات للأمن الإنساني، فان الفساد يؤدي إلى انتهاكات صارخة للحقوق المدنية والسياسية بما فيها الحق في إقامة العدل والحق في تقلد الوظائف العامة والحق في حرية الرأي والتعبير وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما فيها الحق في التنمية والحق في العمل والحق في الصحة والحق في بيئة سليمة.

وعلى الرغم من أن الكيفية التي يؤثر فيها الفساد على حقوق الإنسان لم يدرس بالدقة الكافية ولا يمكن تقدير آثاره المادية، إلا أن هناك ثمة اعتقاد بان هذه الآثار كبيرة. وعلى الرغم من ذلك فأن محاولة الربط بين الموضوعين لم تحظ بالعناية المطلوبة، إلا أن العمل الذي قام به المجلس الدولي لحقوق الإنسان (International Council on Human Rights ) يعد عملاً عظيماً وفاتحة لأعمال أخرى. فقد نشر هذا المجلس تقريراً مفصلاً سنة 2009 بعنوان: " الفساد وحقوق الإنسان: بناء الارتباط". وقد كان للمركز الوطني لحقوق الإنسان شرف استضافة أحد واضعي هذا التقرير أثناء انعقاد الاجتماع السنوي والمؤتمر العام الثامن للمنتدى الآسيوي الباسيفيكي الذي عقد في عمان سنة 2009 والذي بحث لأول مرة العلاقة بين الفساد وحقوق الإنسان. إن إظهار أن الفساد يؤدي إلى انتهاك حقوق الإنسان قد يفضي إلى التأثير على اتجاهات الرأي العام, وعندما يزداد وعي الإفراد والشعوب بأن الفساد يلحق الضرر بمصالحهم فإنهم قد يكونون أكثر استعداداً لدعم السياسات والبرامج الرامية إلى مكافحة الفساد بل المشاركة فيها. ويعتبر هذا الأمر في غاية الأهمية كون الأثر السياسي لمعظم برامج مكافحة الفساد محدودا في أفضل الأحوال. وللتدليل على ذلك ترى احدى الدراسات الحديثة التي أجرتها منظمة الشفافية الدولية أن الفساد على المستوى الدولي سيزيد بشكل ملحوظ. ولذا فان اعتماد نهج قائم على حقوق الإنسان لمكافحة الفساد قد يدفع أعداداً متزايدة من اللاعبين الرئيسيين كالمسؤولين العموميين والبرلمانين والقضاة والمحامين ورجال الإعمال ومدراء البنوك والمحاسبين والإعلاميين إلى اتخاذ مواقف أقوى ضد الفساد.

إن المعايير الدولية لحقوق الإنسان المنشأة بموجب العهود والاتفاقيات الدولية ترتب التزامات على الدول، وبالتالي فان التركيز على أشكال معينة من الفساد يساعد في تحديد الأفراد المتضررين والذين يحق لهم تقديم شكاوى من ناحية وتحديد الجهة التي يجب عليها اتخاذ الإجراء المناسب لوقف هذا الفساد وحماية الأفراد الذين لحقهم الأذى جراء فعل الفساد. إن الفهم الواضح للعلاقة الواقعية والمباشرة بين الفساد وحقوق الإنسان سيعمل على تمكين الأفراد الذين لهم حقوق مشروعة للمطالبة بهذه الحقوق التي تم انتهاكها جراء أفعال الفساد وسيدفع ذلك بالدولة والسلطات العمومية لاحترام وحماية حقوق الإنسان وتحمل الدولة لمسؤولياتها. وفيما إذا تم إيجاد الارتباط اللازم بين الفساد وحقوق الإنسان فانه سيصبح بالإمكان متابعة انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن أفعال الفساد من خلال الآليات الوطنية والإقليمية والدولية المتاحة بموجب العهود والمواثيق الدولية وليس أقلها أهمية الاحتكام إلى هذه العهود والمواثيق الدولية في المحاكم الوطنية، ذلك أنها، أي العهود والمواثيق الدولية، تسمو على القوانين الوطنية بعد مصادقة الدولة عليها. ولا بد من التذكير في هذا المقام أن كافة إجراءات مكافحة الفساد يجب أن تلتزم كذلك بمبادئ حقوق الإنسان ولا يجب أن تفتئت على هذه الحقوق.

ومن الأمثلة الصارخة على ارتباط الفساد بانتهاكات حقوق الإنسان الاتجار بالبشر والاتجار الجنسي بالنساء والأطفال وعمالة الأطفال. فلقد أصبح ارتباط الفساد بالجريمة المنظمة عبر الحكومية واضحاً وجلياً وخاصة في المجالات الثلاثة السابقة. إن الاتجار بالبشر والبغاء وعمالة الأطفال التي غالباً ما تنطوي على أفعال فساد تنتهك العديد من الحقوق منها الحق في الحياة و في السلامة الجسدية والحق في العدل والمساواة والحق في الصحة والحق في الحماية من الاستغلال الجنسي والاختطاف والحق في التعليم بالنسبة للأطفال خاصة.

إن للفساد آثاراً كارثية بالنسبة للفقراء بالمقارنة مع غيرهم من فئات المجتمع. فالفساد يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات الخارجية مما يؤثر على حياة الفقراء بشكل غير مباشر، كما أنه يؤثر بشكل مباشر على مداخيلهم عندما يضطرون لدفع الرشاوى من اجل الحصول على الخدمات المقررة لهم قانوناً. كما أن الفساد السياسي يؤدي إلى تشويه السياسات التنموية التي تهدف إلى مساعدة الفقراء والأقل حظاً عن طريق توجيه الاستثمارات والإنفاق على مجالات تخدم المستفيدين والتي غالباً ما تكون على حساب مصالح الفئات الأكثر حاجة للخدمات.

أما في مجال الحقوق المدنية والسياسية فان من المعروف أن بعض الحقوق أصبحت على علاقة مباشرة مع منع الفساد، ومن هذه الحقوق على سبيل المثال الحق في حرية التعبير والحق في التجمع والتنظيم والحق في المشاركة السياسية والعامة والحق في الحصول على المعلومات. فضمان الحق في التعبير والحق في التجمع والتنظيم وحمايتهما يتيحان للأفراد فضح ممارسات الفساد والاحتجاج عليها ورفع الوعي بمخاطرها. والحق في المشاركة السياسية واتخاذ القرار يفسح المجال أمام رسم سياسات عامة حساسة للاحتياجات الأساسية لأفراد المجتمع عامة وللفئات الأكثر عرضة للانتهاك خاصة كالنساء والأطفال والمهاجرين والمعوقين والعمال الأجانب. كما أن الحق في الحصول على المعلومات يفسح المجال للوصول إلى المعلومات التي تستند إليها الحكومة والسلطات الحاكمة في صنع القرارات الحكومية التي تؤثر على حياتهم, خاصة وأن عدداً من المحاكم الدولية أقرت أن هذا الحق لا يقتصر على الحق في وصول الأفراد إلى المعلومات فحسب بل انه يشمل كذلك واجب الدولة في نشر المعلومات والوثائق العامة التي تتعلق بالسياسات والقرارات الحكومية.

وعلى الرغم من أن هناك حاجة إلى التكييف القانوني اللازم الذي يجرم الفساد كانتهاك لحقوق الإنسان ليصبح بالإمكان مقاضاة الفاسدين بموجب المعايير الدولية لحقوق الإنسان، فانه بدأ يستقر في الأذهان بان أي تحليل للفساد في علاقته مع حقوق الإنسان يجب أن يأخذ في الحسبان الأضرار التي يلحقها بالأفراد والمجتمعات. ومن هذا المنظور بالذات فان القول بان الفساد يؤدي إلى انتهاك حقوق الإنسان أصبح من المعتقدات المسلم بها.

وهذا يعني فيما يعني انه عندما ينتشر الفساد فان حقوق الأفراد في العدل والأمان والحياة الكريمة تصبح غير مضمونة، ويصبح هدف المسؤولين السعي لتحقيق مصالحهم الشخصية أكثر من حمايتهم للقانون وتطبيقه، كما يتم تجيير الخدمات العامة لمن يستطيع الدفع للموظفين الفاسدين وليس للعامة. وتكون المحصلة العامة لكل ذلك أن الفساد يصبح مشجعاً على التمييز، ويزيد في حرمان الفئات المهمشة، ويمنع الأفراد من التمتع بحقوقهم السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تلك الحقوق التي ضمنها الدستور والعهود والمواثيق الدولية.

*المفوض العام لحقوق الإنسان ورئيس اللجنة الدولية للتفاوض حول اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »السؤال الذي يطرح نفسه الأن (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الخميس 9 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    أنت تعرف يا صديقي القديم ، وأنا أعرف أن الأمم المتحدة بقانونهاالذي يصادف اليوم التاسع من كانون الأول (ديسمبر) اليوم العالمي لمكافحة الفساد، لم يفعل شيئا لصالح المواطن الأردني ففي الحادي والثلاثين من شهر تشرين الأول (أكتوبر) لعام 2003 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 58/4 على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ..والسؤال الذي يطرح نفسه الأن ماذا فعلت هذه الأتفاقية ..واذكر لنا النجاحات التي فرضتها على الدول منذ تأسيسها
    الفساد في عالمنا العربي ، وخاصة في الأردن سببه الخلل اللاخلاقي في كل الوزارات التي تعاقبت على الأردن في السنوات الأخيرة ..هذه الوزارات كانت سببا في التسيب الذي حصل ، وهم من نشروه وشجعوه في الأردن .أضف الى ذلك اهتمام السلطات الأمنية بأدوار غير ملاحقة الفساد والفاسدين ، وتقديمهم للمحاكمة ليأخذون جزاؤهم ، وتركتهم يسرحون ويمرحون كالفئران بين أكياس الطحين ..ماذا فعلت منظمات حقوق الأنسان بالأردن غير الكتابة عنها بمقالات من صنع سيبويه ، ولم يتم شيئا ..ان وجود هذا الكم من منظمات حكومية وغير حكومية في الأردن هو لاستيعاب بعض رؤوساء الوزراء والوزراء كأمناء على حقوق الأنسان ينالون معاشات خالية تصل الى 150 ألف دولار مع سيارات وفيلات وخدم وحشم وسسائقين ..وأنا اتحدى أي عمل مشرف قاموا به بالأردن