محمد برهومة

"الوطنية المحاصَرة"

تم نشره في الثلاثاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

لم تعُد التكوينات الأهلية في العالم العربي مكوّنا هامشيا، وقد تبدّى ذلك بوضوح في السنوات العشر الأخيرة، حيث أصبحتْ تلك المكوّنات فاعلا أساسيا في إنتاج المشهد الاجتماعي والسياسي والثقافي، ومن المتوقّع أن تكون أحد أهمّ الفاعلين الأساسيين الذين سيشكلون مستقبل المنطقة العربية في السنوات المقبلة. ويضع بعض الخبراء إلى جانب هذا الفاعل لاعبين أساسيين آخرين هم الأنظمة الحاكمة والتنافس الدولي ـ الإقليمي على المنطقة، ومحاولة أطراف أقليمية ودولية إعادة رسم خرائط المنطقة الجيوبوليتيكية وحصص النفوذ ومواقع القيادة والقوة فيها من جديد.

والفاعلون الآخرون هؤلاء من مصلحتهم تعزيز نفوذ المكوّنات الأهلية، حتى يظل الاعتماد على السلطة أو العوامل الخارجية هو المرجعية الحصرية التي تصب عندها جميع التفاعلات الاجتماعية ومحصلة النوايا السياسية، فتكون لها اليد الطولى في رسم المشهد وتشكيل السياسات وتنظيم مخرجاتها وتقليص هامش المفاجأة فيها.

وارتفاع أسهم التكوينات الأهلية، ليس يعني إدراك الأبعاد المحلية في الإصلاح والتنمية وبلورة نموذج محلي ناضج يتعاطى بكفاءة مع التحديات القائمة في كل بلد، بل هي على العكس من ذلك، نكوص للسياسات الوطنية الجامعة، التي تجعل من تكريس الاندماج المجتمعي ومحاربة عوامل التفتيت والانقسام عناصر أساسية في أي مشروع إصلاحي وتحديثي وتنموي.

ويلاحظ الباحث السوري ياسين الحاج صالح أنّ من "قوانين" الشرق الأوسط قبل أنْ يُطلق عليه هذا الاسم عام 1902، ومنذ مطالع أيام "المسألة الشرقية" في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.. من هذه "القوانين" أنّ تنامي تأثير القوى الغربية على بنيانه السياسي كان يترافق باستمرار مع مخاضات وتوترات عنيفة تصيب تكويناته الاجتماعية الأهلية. وقد تجلّى هذا بوضوح في "عصر التنظيمات" العثماني، وكان منبع إحدى ديناميات إخفاقها، كما ظهر أيام الاحتلال الغربي في المشرق العربي بين الحربين العالميتين، وهو يظهر اليوم مع تصاعد السياسات الأهلية ، وارتفاع دوائر العنف المجتمعي بالتزامن مع التنافس الدولي والإقليمي على إعادة رسم قوى النفوذ والقيادة في المنطقة من جديد.

الطوائف والعشائر والعوائل والقوى المناطقية والحركات المسلحة .. صارت مكونا وفاعلا أساسيا في المشهدين السياسي والاجتماعي العربيين، وهذا يقدّم إلى جانب السياسات السلطوية العربية تفسيرا رئيسيا لماذا أصبحت الممارسة الديمقراطية (الناقصة بالطبع) في العالم العربي تُقدّمُ النتائج نفسها، وتُرسّخُ استمرار حكم فئة قليلة من الأقوياء المتمكنين، وتثبيط القوى المعارضة، ودفعها إلى التطرف أحيانا، وإفراغ كلمة "ديمقراطية" من معناها، كما تفيد "الايكونوميست". أي أن صعود السياسات الأهلية وتنامي العشائرية والأبوية والتوجهات الطائفية أحد أسباب "العجز" الديمقراطي العربي، وهو نتيجة أساسية للسياسات السلطوية وقوانينها الانتخابية المعتلّة.

ومن المهم التأكيد هنا أن منطقتنا لطالما كانت العشائر فيها عامل استقرار اجتماعي وتكافل وعون وطني مميّز، ولطالما تعايشتْ فيها الطوائف والإثنيات، لكنّ انسحاب الدولة من كثير من مسؤوليتها وتراجع عقلانيتها وعدالتها، دفع تلك الوحدات الاجتماعية إلى أن تصبح وحدات سياسية في ظل ضعف المشاركة السياسية، وغياب إجماعات وطنية عريضة ورؤية تنموية تحظى بالرضا الشعبي، وبذلك غابت عن تلك الوحدات الاجتماعية موانع شططها.

أمام هذا المشهد ثمة "وطنية محاصَرة" يدفع فاتورتها أشخاص وطنيون يعارضون التنافس الدولي والإقليمي على "كعكة" المنطقة، ويقاومون النزعات الأهلية كافة بتشكيلاتها الغريزية والمجافية للعقل ولإرساء قيم المواطنة وتكافؤ الفرص. أي أن هذه "الوطنية المحاصَرة" تدافع عن قدسية قيام دولة مواطنة، وتنمية وطنية عادلة، فيما الأطراف الثلاثة ( التكوينات الأهلية حين تأخذ جانبا ضيقاً وانقسامياً / السياسات السلطوية/ المشاريع الإقليمية أو الدولية التي تسعى لتثبيت مواقع نفوذ لها في دول المنطقة بما يتعاكس مع مصالح شعوبها الحقيقية).. هذه الأطراف الثلاثة تناصب هدف اقامة دولة مواطنة حقيقية تقوم على المشاركة الفاعلة في رسم السياسات .. تناصبها المواجهة وربما العداء!!.

mohammad.barhoma@alghad.jo

التعليق