د.باسم الطويسي

لا قيمة للأسرار في السياسة الدولية

تم نشره في الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

عكس ما قد يتوقع البعض، سوف تمر أزمة ما كشف عنه الموقع الإلكتروني ويكيليكس من وثائق وأسرار سياسية مرور السحاب، ولن يتذكرها أحد بعد بضعة أسابيع، فيما ستنتشر منذ هذا الوقت عشرات المواقع الإلكترونية المتخصصة بالاختراقات الإعلامية وفق الأنماط الجديدة التي تتيحها التكنولوجيا الجديدة وتحت حماية الممارسات الإعلامية الجديدة أيضا.

ولن نكون بحاجة إلى كل هذا الضجيج بعد أن يتحول الكشف عن هذه الوثائق، وتحديدا للدول المتقدمة التي تملك نظما تكنولوجية للأرشفة مجرد حدث عابر، ولن ننتظر خمسة وعشرين عاما أو أكثر للاطلاع على وثيقة أو الوصول إلى معلومة ما.

الحقيقة التي تحاول أن تقفز عنها القراءات الإعلامية المستعجلة تقول أن لا قيمة للأسرار في تاريخ السياسة الدولية، السر في السياسة الدولية قيمته في لحظته، ويفقد بريقه في نهاية النهار، ولا قيمة تذكر له في اليوم التالي.

وعلى الرغم من عناصر التشويق والجاذبية التي قد تقودنا إليها الوثائق الغامضة، وما كان يدور في الغرف الخلفية، وعلى قدر ما قد تثير الحنق بعض الصفقات والتفاهمات التي تطبخ بعيدا عن العيون بين الخصوم والأعداء فإن الأسرار السياسية في السياسة الدولية تعبر عن حقيقة توزيع القوة في تلك اللحظة بين الأطراف المعنية.

تعالوا لنتصور سلسلة من القصص الجديدة المدعمة بالوثائق عن أحداث كبيرة أثرت بشكل درامي وحاد في تاريخ البشرية خلال العقود الأخيرة، ماذا لو خرج علينا ويكيليكس أو غيره من المواقع والمؤسسات المنتظر أن تتفرخ بالتوالي عن وثائق تحكي على سبيل المثال قصة جديدة عن أحداث الحادي عشر من أيلول تحتمل عشرات السيناريوهات التي تحكي الماضي القريب وتورد أدلة على تورط دول وحكومات ونخب فيها، ماذا لو ظهرت وثائق جديدة تحكي قصة مختلفة عن حروب البلقان أو عن سيناريو غزو صدام حسين للكويت، أو أسرار أخرى عن حرب احتلال العراق وعن معركة احتلال بغداد وكيف ذابت الجيوش العراقية بين أصابع رجل واحد.

المبالغة في تقدير حجم الانعكاسات التي سوف تحدثها أسرار استخدام القوة هي صناعة دعائية وإعلانية لا أكثر، ويكفي ان نتذكر قبل أقل من شهر أن الوجبة الأولى من وثائق هذا الموقع كان جلّ تركيزها على الوضع العراقي، ومن المفترض أن أكثر المتضررين من تلك الوثائق رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، الذي وصفته الوثائق الأميركية بأنه أدار بلاده بذهنية طائفية، بل كان يقود فرقا للقتل والاغتيالات، ماذا كانت النتيجة تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة، الحكمة القديمة تقول إن السياسة تعبر عن حقيقة القوة في لحظة ممارستها.

من منظور المدرسة الواقعية، فإن العالم يستعد للاعتياد على الكشف المباشر للصفقات والأسرار الدبلوماسية، وهناك منظوران لتفسير الظاهرة يقتربان في بعض الملامح، الأول يرى أن تطور هذه الظاهرة يعبر بشكل مدهش عن ما تقود إليه التكنولوجيا الجديدة من تحولات في حق المعرفة ما يقود بالتالي إلى عالم من دون رقابة بالفعل، منظور آخر يرى أن ثمة تواطؤا ولا قيمة فعلية لكل ما تم نشره، بل إن ما ينشر يوظف لصالح الأطراف المتورطة به لا أكثر.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Wikileaks (مستر)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    "المبالغة في تقدير حجم الانعكاسات التي سوف تحدثها أسرار استخدام القوة هي صناعة دعائية وإعلانية لا أكثر"

    تحية طيبة وبعد،
    أولاً: إن موقع ويكيليكس موقع غير دعائي وغير ربحي.
    ثانياً: إن انعكاسات نشر وثائق سرية أمر مهم جداً ولكن ليس على المدى القريب، بل على المدى البعيد جداً.
    هل تعلم أن الرئيس جورج بوش ما كان ليغزو العراق قبل حصوله على رضى أغلبية الشارع الأمريكي؟ كيف أقنع بوش الشارع الأمريكي بضرورة غزو العراق؟ لقد أقنعهم بأن العراق والتي تبعد آلاف الكيلومترات عن واشنطن يمكن أن تهدد الأمن الوطني الأمريكي من خلال الأسلحة النووية المزعومة، علماً بان العراق سمحت للمفتشين الدوليين بالتفتيش لتفنيد هذه الحجة إلا أن رأي الشارع قد سبق. وبما أنه قد سبق السيف العذل فلا مجال للتراجع إلا بمزيد من الخداع للشارع الأمريكي لكسب المزيد من التأييد لموضوع خاطئ برمته منذ البداية.
    نشر الوثائق للعامة موجه للعامة وليس للدبلوماسيين. فالأثر على الدبلوماسيين غير مهم، ولكن الأهم أن يعي الناس والعوام الفرق بين ما يقال لهم وبين ما يقال من وراء ظهورهم. أن يعلم الناس الفرق بين الحقيقة والخيال.
    الإنعكاسات المنشودة من موقع ويكيليكس هي الشعوب المسكينة وليست العلاقات الدبلوماسية.
    يكفي أنني شاهدت على موقع ويكيليكس كيفية اصطياد السائق/ نمر نور الدين والمصور/ سعيد شماغ من شبكة رويترز للصحافة العالمية، وقد حدث ذلك بدون رحمة. رحمهما الله تعالى، فقد قتلا بدم بارد، وبطريقة تشبه ألعاب الفيديو المنتشرة في السوق.
    الناس عطشى للحقيقة، فالتاريخ يأبى أن يروي إلا الحقيقة للأجيال القادمة.
    قيل في أحد الأيام: "التاريخ دائماً غير موضوعي" لأن الراوي لا بد أنه غير موضوعي، فهو لن ينعزل عما يربطه بهذا التاريخ تماماً. ولكن ويكيليكس أثبت أن صحافة ما يزيد على مئات السنين قد عجزت عن الوصول لجزء من الألف من الحقيقة التي وصلها موقع ويكيليكس. بل إن الصحافة أضحت تستشف كتاباتها منه.
    عندما أذهب لشراء الجريدة فإنني لا أشتري ورق لأفرش عليه العشاء، ولا أدفع مالاً لقاء مادة الورق، بل إنني أسعى لمعرفة الحقيقة، وهذا ما عجزت عنه الصحف وقدر عليه ويكيليكس.
    أخيراً، أود أن أشير إلى الحرية التي يدعيها الغرب، وقد تجلت في منع الموظفين من تصفح وقراءة الوثائق المنشورة في ويكيليكس لأنها خاضعة لصفة السرية. أي أن مجموعة من الأشخاص حجبوا الحقيقة عن ملايين من البشر، وعندما اكتشفت أيضاً منعوا ملايين الشعوب من معرفة الحقيقة، فقد احتكروها لأنفسهم. عجباً لهذا.