هو عام "الرمادة" يا عمر !

تم نشره في الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

هو عام "الرمادة" يا ابن الخطاب، ونحن لا ندري ما نفعل!

القحط يضرب أوطاننا، والجوع ينهش أحشاءنا، والناس في كرب عظيم، ولا ندري ما نفعل!

لماذا أسميتموه "الرمادة" يا عمر؟.. ألأن لون الناس أصبح كالرماد من شدة الغمّ والكدر، أم لأن الأرض ذاتها استحالت إلى رماد بعد أن هجرها المطر؟

حدد لنا الفرق أيها "الفاروق"، فنحن ما عدنا نفرق ما بين قحط الأرض وقحط الإنسان!

وماذا أيضا؟

هل أقسمت على نفسك يا عمر أن لا تذوق "سمناً" أو "سميناً"، مادام أهل المدينة جوعى من شح المطر؟

وما ذنبنا نحن يا ابن الخطاب إذا كان "رعاتنا" قد أقسموا على أنفسهم أن لا يتذوقوا غير "السمن والسمين"، ولو ملأ "الرماد" سائر مدنهم وأمصارهم؟

وماذا أيضا؟

هل أوقفت بيت مال المسلمين على فقراء المدينة، فرحت تقيم المآدب الجماعية لهم من فضل هذا "البيت"، يوميا، مخافة هلاكهم جوعا؟

ولكن يا ابن الخطاب: هل كنت تفترض أن يكون ساستنا، على معرفة بـ"الأولويات الاجتماعية"، على غرارك، أم أنك لم تعرف بعد أن "البيت" قد استحال إلى "بيت مال المفسدين والفاسدين" فقط، ولم يبق للفقراء سوى "مال" الأرصفة والحاويات، و"مال" الإشارات الضوئية التي يتمنون لو أنها تظل "حمراء" إلى الأبد!

وماذا أيضا؟

من أين كنت تستمد تلك الطمأنينة كلها ياعمر، وأنت تستنجد بالأمصار الإسلامية، كي يسعفوا أهل المدينة بالزاد والكساء، بعد أن أنفقت ما في بيت مال المسلمين على المسلمين، فما كان من تلك الأمصار إلا أن سارعت بتلبية نداء المسلم للمسلم، والفقير للفقير، والعربي للعربي، والإنسان للإنسان، فتقاطرت القوافل والسفن، محملة بآلاف الأطنان من الغذاء والكساء، التي فعلت فعلها، وفرّجت على الناس ضنك العيش، حتى هطول المطر؟

لك الله يا ابن الخطاب، هل تسأل عن "أمصارنا"، أما عرفت بعد بأن سُعاتنا لن يستطيعوا الوصول إلى هناك، لأنهم سيموتون انتظارا على أبواب سفارات تلك "الأمصار" بانتظار الحصول على تأشيرة دخول؟ أوَما بلغك، أيضا، أن "أمصارنا"، بعضها "استقلّ" بنفطه والآخر بـ"فقره"، وأن الفقراء يدفعون ثمن "المعونات" بالدولار من تلك الأمصار العربية؟.. وأن "بيوت أموالها" قد انتقلت إلى "الأمصار" الغربية، بأصولها وفوائدها، ولا يطالنا نحن غير ما تلقي به استثمارات الأسلحة على رؤوسنا؟ سل أهل غزة ولبنان يا ابن الخطاب!...

أوما بلغك، كذلك، يا ابن الخطاب أن "أمصارنا" لا ترتبط إلا بقطريتها، ارتباطا يفوق سائر روابط العرق والدين والتاريخ، وأنها على استعداد أن تنحر آلاف الإبل والشياه، سنويا، على حدودها مخافة أن تصيب "العين" هذه الحدود يوما.. وفرحا باستقلال مزدان بطلقات مدافع بوارج المغول والتتر، المشاركة باحتفالات "الاستقلال"!

وماذا أيضا؟

هو عام "الرمادة" ياعمر، أما زلت تعجب كيف لا يخرج جائع بسيفه على الناس كي يطعموه؟.. لقد حاول فقراؤنا ياعمر، حاولوا كثيرا، لكنهم، باستمرار، كانوا يجدون سيوف "الأثرياء" لهم بالمرصاد .. أثرياء على استعداد للذود عن "مكتسباتهم" بالأسلحة النووية إذا دعت الحاجة، وعلى استعداد لتهريب أموالهم وأنفسهم بأسرع من لمعة سيف الفقراء، إذا أحسوا بأدنى تهديد لتلك "المنهوبات".

وماذا أيضا ياعمر؟

كم استمر عام "الرمادة" في المدينة؟.. تسعة أشهر فقط؟ كم أنتم محظوظون!

هل عرفت بأعوام "رمادنا" يا ابن الخطاب؟ حاذر أن تقرأ المستقبل حتى لا تصدمك الوقائع، فرمادنا يزداد تكدسا منذ أكثر من قرن يا ابن الخطاب، منذ فرقتنا "الأمصار" ذات الفقر وذات العار.. ومنذ أن أصبحت "الدار قبل الجار"، ومنذ أن غدا الجسد العربي يتداعى بالحمى والسهر والنجدة للأغيار والأوغاد والأشرار، لا لأبناء الجلدة والعروبة والأحرار، وما أكثر خذلان العربي للعربي، حين يأتي مدججا بملايين الأعذار!

هي أعوام "الرمادة" ياعمر وما عاد بوسع الأمطار كلها أن تغسل رماد "الدار"، بعد أن تجاوزنا قحط الأمطار إلى قحط الأفكار!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحال العربي (احترام عبدالله)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    مقال راثع يصف الحال العربي شكرا للكاتب
  • »معركة الفيفا الكبرى (جميل ابوصيني)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    وفي عام الرمادة يا عمر حققنا انجازا غير مسبوق عبر التاريخ البشري فقد تحقق الحلم وانتصرنا على امريكا- وكسرنا شكوتها في معركة الفيفاالكبرى - كما قال عالمنا الكبير القرضاوي . صحيح لدينا مئات الملايين من الفقراء في عالمنا الاسلامي منهم عشرات الملايين مشردين جوعى لا يجدون شيء بل وينامون في المقابر في بعض اقطار عالمنا الاسلامي لكننابالمحصلة انتصرنا على امريكا
    بارك لنا يا عمر هذا الانتصار الاول على امريكا ,,,,,

    وقد حققنا انتصارات ساحقة في موسوعة غينس للارقام القياسية

    فتجد لدينا ياعمر اكبر رغيف خبز في العالم
    ذ
    ولدينا اطول علم في العالم

    ولدينا اعلى ناطحة سحاب في العالم وسنبني اعلى منها ايضا

    ولدينا,,,,,,, ولدينا اكبر نسبة امية في العالم
    وهي تصل في بعض الامصار الى 50%

    هذا غيض من فيض مما لدينانحن امصار بني يعرب يا عمر

    وختاما ,
    رائع ايها الكاتب الفذ وفقك الله
  • »ابدعت (ح)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    ياعمر، أما زلت تعجب كيف لا يخرج جائع بسيفه على الناس كي يطعموه؟.. لقد حاول فقراؤنا ياعمر، حاولوا كثيرا، لكنهم، باستمرار، كانوا يجدون سيوف "الأثرياء" لهم بالمرصاد .. أثرياء على استعداد للذود عن "مكتسباتهم" بالأسلحة النووية ؟؟ ابدعت استاذ
  • »ماشاء الله (ashraf)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    لقد افرحني هذا المقال هل انت من طينتنا هل انت من بيننا هل انت من بلدنا هل تنهل افكارك من افكارنا شكرا لك شكرا افرجني كثير ا ان كاتبا رائعا مثلك يعيش هنا
  • »باختصار (أبو صابر)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    رائـــــــع يـــــــا أجــــــمـــل كـــتــــاب الـــغـــد !!!
  • »لا حول ولا قوة الا بالله (يحيى)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    نكاد ننكس الاعلام طوبى "لشهداء" الحرائق في دولة الاحتلال وهذا ما لم نفعل لاهلنا و اخواننا بغزة و ها هي قطر تقرر انفاق 45 مليار دولار لكاس العالم فيما لو استثمر ربع المبلغ بالسودان او اليمن لانتشل العالم العربي من ازمة الغذاء!!!
  • »ابداع (اياد)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    هذا وبكل صراحة مقال مبدع احتوى على كثير من المضامين والصور اللغوية وبني على المفارقات الرائعة التي تم تناولها باسلوب مثير لمشاعر وغيرة القراء
    جميل جدا يا استاذ باسل ما كتبته ولكني اخشى ان تطول الرمادة فتتحول الى سوادة... كل الاحترام والتقدير
  • »مُحق (Rania Siam)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    هي أعوام الرمادة ياعمر ليس هذا العام فقط ولكن أدركنا متأخراً أنه هو هذا العام ليس بسبب قحط الأمطار والطعام والشراب في الأرض بل قحط الإنسان بالأخلاق فما عاد يتحلى بعادات العرب الأصيلة القديمة كالشجاعةوالكرم وصلةالأرحام... حسبنا الله ونعم الوكيل
  • »هالله هالله يا ابن الخطاب (مالك جراروة)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    أكاد اجزم انه اذا سمع احد ولاة امرنا هذا الكلام لضحك كثيرا و استهبل دعاة استذكار ماضينا اكثر،، طوبا للغربا
  • »يسلم ثمك (ليليا)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    يسلم ثمك
  • »طول بالك شوي (محمد علي)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    حسستني انك عايش بافغانستان
  • »هل الله يقاصصنا لأننا حدنا عن تعاليمه السماوية ؟ (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    ما اجملك با كاتبنا العظيم ..فوالله أنها اقوى وأعنف وأكثر تعبيرا عن كل ما قرأت هذا العام ..فما اروعك يا أخي باسل بهذا المقال الذي اسكرني بانفعالاته ، وحقيقته ..ولا سمحت لي فقط أن اضيف رأيا في حضرة جلال هذا الموضوع ..فأنت قلت
    "فرمادنا يزداد تكدسا منذ أكثر من قرن يا ابن الخطاب، منذ فرقتنا "الأمصار" " رمادنا فقدناه حتى رحل أخر خليفة من الأندلس .فأمراضنا الأجتماعية التي كنا نعاني منها انذاك ، التفرقة والشجع والغطرسة والأبتعاد عن الدين وغيرها لا تزال تلازمنا ليومنا هذا ..والشعب في المرحلتين التاريختين كان هو المظلوم والمنكوب ..وسؤال أخير هل الله يقاصصنا لآننا حدنا عن مباديئه السماوية؟