حقوق المواطن بين الدولة و المجتمع: الجلوة مثالا

تم نشره في الخميس 2 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

كغيره من مجتمعات العالم الثالث، فقد كان المجتمع الأردني قبل تكوّن الدولة مجتمعا تقليديا، تحكم سلوكيات أفراده مجموعة من القيم والمعايير التي أصبحت تقليدا فيما بعد، تم تأطيرها من خلال ما اصطلح على تسميته بالقضاء العشائري، فكان له أصوله وقواعده ومستلزماته، وكان له قضاة عشائريون متخصصون حسب طبيعة المشاكل التي كان يعيشها المجتمع، الذي كان يسعى إلى تحقيق الوئام والعدالة حسب معايير تلك الفترة، وبما كان يتناسب مع الظروف الاجتماعية لتلك الفترة بالرغم من قسوة بعض أحكامه. ومن الجدير ذكره، أن الجريمة في تلك المجتمعات كانت نادرة الحدوث بسبب الضبط الاجتماعي العالي وقوة العقوبة وشدتها.

بعد قيام الدولة الأردنية، بدأت عملية بناء الدولة الحديثة من خلال الدستور
وا لقوانين التي تنظم حياة الأفراد وتحدد الحقوق والواجبات، وبدأت الدولة تفرض سلطتها تدريجيا في كافة المناطق، وسمحت في المراحل الأولى باستمرارية القضاء العشائري من خلال مأسسته بسبب طبيعة المجتمع وأهمية العشائر في بناء الدولة المعاصرة إلى أن تم إلغاء القضاء العشائري في أواخر السبعينيات.

لقد تغير المجتمع الأردني كثيرا في العقود الأربعة المنصرمة، فغالبية السكان يعيشون في المناطق الحضرية، ويعملون في الاقتصاد الحديث، ودخلت التكنولوجيا الحديثة للمجتمع الأردني إضافة إلى التحولات السياسية والاجتماعية واستئناف مسيرة الحياة الديمقراطية. وكنتيجة لهذه التحولات، لم تعد البنى الاقتصادية والاجتماعية الحاضنة للنظام العشائري قائمة سوى في مناطق محددة. والمنطق يقول إن القوانين يجب أن تطبق على الجميع، وإن الدولة هي وحدها المسؤولة عن معاقبة المجرمين والمخالفين للقانون.

وإذا ما أخذنا الجلوة كمثال على حدود المجتمع والدولة، فتكاد تكون من الممارسات الوحيدة أو القليلة التي لم يستطع القانون أو الدولة التحلل منها، وهي إحدى المجالات التي ماتزال سلطة المجتمع تتفوق فيها على سلطة الدولة. وهناك عشرات الحالات التي طبقت بها الجلوة في مناطق مختلفة من دون اعتبار للقوانين النافذة. لا بل إننا نجد أن الدولة هي التي تقوم بتنظيم هذه الجلوات بداعي الحفاظ على الأمن والسلم الاجتماعي. ومن حيث لا ندري، فإن الدولة بقبولها هذه الممارسات غير القانونية، فإنها تساعد على استقواء المجتمع على الدولة وتضعف من سلطتها شيئا فشيئا.

ينتج عن فرض الجلوة على أهل المعتدين أو المجرمين آثار سلبية كبيرة، حيث يفرض على عوائل بأكملها أن تهجر أراضيها ومساكنها وأعمالها وتنتقل إلى مناطق ثانية، فإما أن تبدأ من جديد أو أن تتكفل الدولة بإعالة هذه الأسر وتقديم الرعاية لهم. وفي هذه الممارسة تعد على حقوق المواطنين التي كفلها الدستور لهم كالحق في التنقل والسكن والعمل أينما يشاء الفرد. كذلك، فإن هذه الممارسة، توقع الظلم على أناس كالأخوة وأبناء العمومة من خلال عقوبات اجتماعية غير مسنودة بالقانون على أفعال لم يرتكبوها هم، بل ارتكبها أحد أقاربهم، وبذلك يكونون مسؤولين ليس عن أفعالهم، كما ينص عليه القانون، وإنما عن أفعال غيرهم وأخطائهم، الذي لم ينص عليه القانون. لقد جرت محاولات عدة لتأطير هذه الممارسة واقتصار تطبيقها على درجة معينة من القرابة، وأرى أن هذه المحاولات تعيد انتاج هذه الممارسة أو العرف وتؤدي إلى ضعف الدولة أمام المجتمع، أو تسمح بتغول المجتمع على الدولة، ولا أحد يسأل لماذا يعاقب بعض الأفراد على أخطاء لم يرتكبوها وليس لهم علاقة بها. لذا، لا بد من وقفة جادة لمراجعة هذه الممارسة وغيرها من الممارسات التي تقع ضمن منظومة النظام العشائري كالعطوة وفورة الدم وغيرها، كما يجب على الدولة حماية حقوق مواطنيها في تعدي المجتمع عليها.

[email protected]

التعليق