د.باسم الطويسي

حكمة الاستسلام للأمر الواقع

تم نشره في الأربعاء 1 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

العامل المشترك في موجة الانتخابات العربية المتتابعة، وتلك التي تسخن لها الأجواء إلى جانب العنف والفوضى، يتمثل في إعادة تدوير الواقع، أي لا جديد ولا تغيير بل السير المرهق في نفس المكان.

الخوف الحقيقي ان تتحول الانتخابات على الطريقـة العربيـة السائدة اليوم من أداة للتحـول بالمجتمعات والأنظمة العربية نحو تقاليد الحياة الديمقراطيـة والتداول السلمي للسلطـة إلى أداة لتعقيد المشهد السياسي المحلي في كل دولـة من ناحية، وإضافة المزيد من الأسباب والمبررات التي تغلق الأفق السياسي من ناحية أخرى. بمعنى آخر: جر المجتمعات السياسيـة إلى حكمـة الاستسلام للوضع الراهن وتسويغه بأنه أفضل من حمامات الدماء، والوصـول إلى قناعـة بأن ثمن التغيير اكبر مما يمكن ان تتحملـه المجتمعات. الأمر الذي يصل أحيانا إلى ما يشبه العدمية السياسية التي تفتقد للأهداف ولا تبررها المعتقدات، مثلما يحدث في الانتخابات العربيـة.

يقودنا هذا التصـور غير المكتمل إلى تتبع أشكال التعبير الدائرة حول الممارسات إلى نتيجة تقود المجتمعات إلى الركون للحكمة القديمة إلى تقديس الحاضر بكل علله وأمراضه خوفا من القادم، حيث يمكن التوقف عند أربعـة مظاهـر أساسية توضح مضمون الممارسـة الديمقراطية الراهنة:

أولها يتعلق بإرادة الناس بممارسة السياسة؛ حيث نجد ان حجم المشاركـة الانتخابية ما يزال متدنياً، ولا يعبر عن وعي مجتمعي حقيقي بأهمية تمكين الناس من حسم مصيرهم السياسي، ويعبر حجم المشاركـة أيضا عن عدم الثقـة بصناديق الاقتراع وبالنخب السياسيـة التي تتقاتل حولها، حيث أثبتت الانتخابات والاستفتاءات العربية الأخيرة هذا التراجع ووصلت نسبـة المشاركـة في الانتخابات البرلمانيـة المصريـة إلى (25 %) فقط.

وبالمعنـى الاجتماعي يمكن إرجاع هذه الواقعة إلى أكثر من قراءة أهمها، انه بالرغم من كون العرب أكثر شعوب العالم انشغالاً بالسياسة، التي تدخل إلى تفاصيل حياتهم اليومية، فهم اقل المجتمعات ممارسة لها، بكلمات أخرى إن الناس هنا لا يملكون إرادة الفعل السياسي وهم فعلياً الأقل ممارسة للسياسة.

المظهر الثاني يدور حول الدافع وراء المشاركة السياسية كما كشفته موجات الانتخابات العربية الأخيرة والنزاعات الاجتماعية الأولية. والسؤال البارز في هذا السياق هل تعمل الانتخابات على إحياء النزاعات والمرجعيات الاجتماعية الأولية بدلاً من الارتقاء بالمجتمع نحو الإصلاح والتقدم، أم أنها تعبر عن مشكلة حقيقية من ميراث عهود الأنظمة السابقة ترتبط بأولوية الاندماج الاجتماعي على التكامل السياسي؟

لو توقفنا عند هذا المفصل التاريخي للعديد من التساؤلات مرة أخرى؛ هل الانتخابات وأدوات الديمقراطية الأخرى تكشف بالممارسة انها خطوة متأخرة تحتاج إلى حسم إصلاحات أخرى تتعلق بالاندماج الاجتماعي على سبيل المثال؟ وإلا كيف تعمل صناديق الاقتراع في العراق في كل مرة على إعطاء حقنة حياة جديدة لإطالة عمر الاحتلال؟ وكيف نفسر ان الانتخابات المصرية خلقت صداعا طائفيا لم تعرفه مصر من قبل، بعد ان كان النادي السياسي المصري يموج بالأقباط من برلمانيين ورؤساء حكومات ووزراء وزعماء أحزاب وغيرهم؟

المظهر الثالث لمأزق الانتخابات يخرج من صلب الأزمة الثقافية العربية، ويكشف بشكل واضح مأزق الحيرة والتردد التاريخي في حسم القيم الكبرى في السياسة، وهي أزمة تتجاذبها الأنظمة والمجتمع معاً. وكأننا في كل مرة وبالممارسة نرجع من جديد لاختراع البديهيات والمسلمات، وهذا الامر لا يتوقف عند حجم توظيف المال السياسي الفاضح في الانتخابات والرشاوى التي انهالت من كل الاتجاهات. بل يشير أيضا إلى جذور ممارسة العنف التي تعبر عن إفلاس ثقافي من نوع آخر بكل أسف.

أما المظهر الأخير فهو أزمة الخوف المتبادل بين تعبيرات الدولة الدينية والدولة المدنية، والتي عبرت عنها الانتخابات العربية في واحدة من أوضح صورها، نجد خوفا متبادلا من الإقصاء المتبادل باستخدام الأصول الثقافيـة مرة والعمق المجتمعي مرة أخرى، وتبادل أشكال العنف المادي والعنف المعنوي معاً.

في المحصلـة؛ كشفت موجات الانتخابات العربيـة الراهنـة عن حجم ما نحتاجـه في الحياة العامـة العربيـة إلى تعلم السياسة، إلى تعلم حسابات الواقع وحدود العقلانيـة والحكمـة والقدرة على المناورة، حيث يثبت الصراع على صناديق الاقتراع بأن ثمـة فارقا كبيرا بين الحديث عن السياسة والكلام حولها وبين ممارسة السياسة بالفعل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هذا سبب الاستسلامات (ماهر يوسف شحادة)

    الأربعاء 1 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    التغول الأمني للأنظمة السياسية العربية في مواجهة مجتمعاتها، مرجعه فشل هذه الأنظمة في تحقيق ما وعدت به شعوبها: من تقدم ونهضة ونمو، وفرص عمل وتطور اقتصادي، وواكب ذلك فشل سياسي في إقامة حياة سياسية حرة، تتيح لتكوينات المجتمعات العربية الاشتراك في الحكم وتداول السلطة، وواكب ذلك إصرار الأنظمة الحاكمة على البقاء في السلطة بأي شكل وبكل طريقة، دون النظر إلى الرضاء الشعبي واكتساب رضاء الناس.

    هذه الحالة العجيبة من الفشل متعدد المستويات الذي أنتج حالة تغول أمني وعصا غليظة تقمع الناس وتخيفهم لتمنعهم من الاحتجاج؛ كان لها أثر شديد السلبية على نفسية المواطن العربي، الذي عزف عن مسرحية المشاركة الشكلية، وتمثيلية الشرعية المزيفة، عبر صناديق الانتخابات المزورة، وآثر أن ينزوي بعيدًا يهتم بنفسه وبشأنه الخاص فقط.

    وهكذا نشأت حالة الاغتراب وعدم الثقة بين الجماهير العربية، وخاصة الشباب منهم المفعم بالطاقة والحيوية والرغبة في البذل والعمل والعطاء، فقد وجد هؤلاء الشباب أنفسهم في مواجهة الأنظمة البيروقراطية، وأنماط السلطة غير الديمقراطية التي لا تبقيهم خارجها فقط، ولكنها تجعل دورهم ينحصر في الخضوع لها والالتزام بقوانينها، مما يشعرهم بالعجز وعدم القدرة على تحقيق ذواتهم.

    ولا يجهل أحد ما في هذا الاغتراب من إهدار لطاقات تحتاجها مجتمعاتنا، لكن الأمور لا تتوقف عند هذا الحد فقط، فهؤلاء الشباب المغتربون في أوطانهم، المتذمرون من الأوضاع السيئة التي تهمشهم وتعزلهم، إما ينسحبون كليًّا من هذا الواقع ويرفضونه، وإما يخضعون له في الوقت الذي يعانون فيه النفور، وإما يتمردون على هذا المجتمع ويحاولون تغييره ولو بقوة السلاح، كما رأينا في الجماعات الإسلامية التي مارست العنف، والتي كلفت المواجهة معها مجتمعاتنا الفقيرة الكثير والكثير.