حنان كامل الشيخ

لين في مدرسة الأونروا

تم نشره في الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 02:00 صباحاً

تعرفون ماذا وجدت هذا اليوم في الصفحة العشرين، في كتاب اللغة العربية؟ وجدت على رأس الصفحة رقم هاتف خلوي مدون إلى جانبه اسم "أبو عيسى تنك مي"!! استغربتم؟ لا تستغربوا كثيرا أعزائي، فمنذ أن استلمت الكتب المستعملة لعامين دراسيين سابقين، وقد وعدت نفسي أولا بأن أتعامل مع الموضوع برحابة صدر وسعة إدراك لأنه لا سبيل أمامي إلا التريث في استقبال هذا الخبر والهدوء في التعاطي مع الأوراق الباردة بلا أغلفة تدل على عناوين الدروس.

ثانيا أن لا أستبق مفاجآت الهوامش ورؤوس الصفحات والكلام المحشي بين السطور أو المظلل بالأسود على سطور أخرى. فكل درس كنت أفتح صفحاته، كان درسا بل دروسا من تجارب ويوميات آخرين سبقوني إلى هذا الكتاب المسكين!

مرات كنت أضحك على شكل الغضب الذي يعبر فيه طالب مشاغب بالرسومات والكلمات، بحق أستاذه الذي يعايره بعمل والده كبائع للذرة أمام مدينة الملاهي. ومرات كنت أحزن بسبب بيت الشعر الذي تكرر على رؤوس صفحات التربية الوطنية بمناسبة ومن دون مناسبة: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" !!

مرة كاد أن يتوقف قلبي حين زاحم جدول توزيع الغازات في الهواء، في كتاب العلوم، وصفة إعداد صينية الحلبة، والتي أعتقد أن أم أحد "السابقين" سجلتها على عجل نقلا عن برنامج يوم جديد!

أنا لين، طالبة في الصف السادس أساسي في إحدى مدارس الوكالة. أعيش في ازدحام لا ينتهي.. يبدأ نهاره بين سيقان وأذرع إخوتي المتراصين على الجنبية التي تضمنا قسرا، ويتعاظم في طابور الصباح الذي لم يستقم ولا مرة واحدة طابورا حقيقيا، ويستمر على مقعد طويل يحشرني ضمن خمسة طلاب أمام درج واحد..

ازدحام شديد ومرير وغليظ القلب، ذلك الذي يتوحش أكثر كلما صادفت طلابا آخرين في باصات مكيفة على الإشارة التي أقطعها، ممسكة بيد إخوتي الصغار. يطبق على أنفاسي حين تمر دعاية الشوكولاته التي تأكلها فتاة بمثل عمري، في الحصة الدراسية من دون أن تنتبه لها معلمتها الجميلة.. ازدحام ينتهك حرمة طفولتي، وأنا أشاهد طلاب المدارس الخاصة وهم يمزقون كتبهم "النظيفة" في نهاية كل عام، انتقاما من قسوة العام الدراسي!

عفوا.. قبل أن تتهمونني بالحقد والغيرة المريضة والحسد، تلك التهم الجاهزة لأمثالي من الناقمين على حظوظهم المعكوسة، أرجوكم أن تصدقوا أنني فقط " أفش غلي" وأبوح بضعفي وأبكي أمامكم، حالا لا يريد أن يتبدل، وقرارات تقشفية لا ترحم، وعجزا وصل إلى ثمانين مليون دولار تعاني منه وكالة الغوث. أنا لا أحسد أحدا لأنني طفلة مؤمنة ومن عائلة مؤمنة، تعلمني كل طالع صباح معنى التفوق على الظروف الخارجة عن إرادتنا. فخالي طبيب مشهور في استراليا، وعمي كاتب كبير في إحدى الصحف، وابنه أستاذ في الجامعة، وابنة عمي الآخر مديرة لأحد فروع بنك كبير.

أما أنا فرغم الازدحام والكتاب المهلهل والإشارة الضوئية ووصفات الطبخ والطابور الذي لم يستقم يوما، أؤمن أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كتابات سيدتي حنان.. سبب آخر لحبِّ الحياة (عاشق جمال القلم)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    "على هذه الأرض ما يستحق الحياة... كتابات حنان الشيخ".
    فعلاً أستحق يا سيدتي... لأنك سيدتي أستحق الحياة.
    بورك قلمك الجذاب يا سيدتي، وليذهب الحاسدون إلى جحيم الذكريات.
  • »كلمات تستحق الحياة (إبراهيم الحسن)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    عزيزتي حنان
    كلمات الجملية تستحق الحياة على تلك الأرض.
  • »هكذا هي . (سناء مفلح)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    قبلنا ام لم نقبل تستمر الحياه ,وعذابات لين بكل مافيها هي عذابات معظم الشعب الفلسطيني الذي يأبى ويرفض حياة الضنك .فأعلنها على الملأ .الحياة بكل مافيها .عرف الحكايه وقبل ادوار ورفض كثيرا ادوارا لا تليق به ولا باحلامه الاجئه معه ,والاهم معرفته بسر حكايته المثيره ,حكايته العظيمه ,حكايته الحقيقيه ,المحفوره على جدران معاناته .عرف طقوسها .تضاريسها .فصولها.وعاشها كما هي ....بلا رتوش....وعنوانها العريض كرامه بلا حدود .ومهما كانت النتائج .عرفتم سر لين !!!!!!!!
  • »أعرف مسبقا (سهاد غزال)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    أعرف مسبقا انكم ستحجبون تعليقي، يجب أن أتغزل بالمقال والكاتبة، حتى ولو كانت تجتر نفس المقال عشرين مرة، حتى لو كانت تستمثر الفقراء والبؤساء مادة للكتابة، رغم أن صورتها في أبهى حالات البورجوازية. يجب أن أقول ما أروع المقال، أنت رائعة، مقالك مذهل، أخبروني عن تعابير أخرى تروقكم وتعليقات تصفيقية. أي حرية تعبير وأي حكي فاضي، تحرروا من ذهنية القمع والمنع قبل أن توفروا أمكانية التعليق للناس. شكرا لكني في عدة مرات لم تنشروا لي تعليقات وكنت أعرف أنكم لن تنشروا لأن تعليقي لن يعجبكم
  • »الى حنان (ع. ع)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    دائما لمستك بتعمل فرق !!!
  • »الله يرحم هديك الايام (عبدالله)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    الله يرحم أيام مدارس الوكالة و الدوام الصباحي و المسائي و الكتب المستعملة و سندويشة الفلافل ام الشلن ... بس تعلمنا فيها انه الواحد ما اله غير علمه و اجتهاده و طموحه و انه الله عز و جل مع المجتهد ... الله يجزي اساتذتنا عنا كل خير
  • »أشكال مختلفة تخرجها مدارس الوكالة (ا. غ)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    تجربة العيش في المخيمات و الدراسة في مدارس الوكالة تجربة فريدة من نوعها فهي اما أن تصنعك رجلا ناجحا و نجما في عالم البزنس و السياسة اما ان تحولك الى ناقم على العيش و تستسهل طرق الكسب السريع ...
    و هذه التجربة اما ان تدفعك لاكمال الدراسة و النجاح أو تتدفعك الى الخروج المبكر الى سوق العنل .. أي عمالة الأطفال!
    هذا الكلام ليس جديدا و لكنني أقوله عن تجربتي الشخصية التي دفعتني الى تحدي الظروف الصعبة و اكمال تعليمي طبعا بمساعدة منحة خارجية و تجربة أخي الأصغر مني و الذي كره الظروف و الفقر و قرر أن يدخل البزنس من أوسع الأبواب .. التجارة
    الآن أنا معلم في مدرسة خاصة خارج الأردن و هو رجل أعمال كبير يعرفه القاصي و الداني !!!!!
  • »مش لهدرجة (طالبة وكاله)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    انا طالبة بالوكاله وعادي متأقلمين وعايشين ومبسوطين.
    وبالنسبة للكتب المستعمله انا مع اعادة استعمال الكتب
    وبتمنى من الجميع يحافظ عليها للاجيال القادمة.
    حتى المدارس الغنية مش غلط مثلا تدرس بكتاب اللي درس فيه اخوك

    واحنا بالوكاله كتير من الاحيان بمر علينا كتب كأنها اول استعمال

    واحسن بكتير من انها تتمزق اوراقها بالشارع او تكون بالزباله
  • »ارجعوا لتاريخ المسؤولين (بنت الوكالة)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    نعم فمدارس الوكالة خرجت ناجحين كبارا رغم ظروفهم التعيسة ..
    ابداااااع يا حناااااان
  • »وضعك يا لين أحسن بكثير من الأولاد غير القادرين الذهاب الى المدرسة (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    يا ابنتي لين فأني أعرف الكثير بدأوا جياتهم بظروف أتعس منك ، وبمثابرتهم ، وتتمة دراساتهم تمكنوا أن يصبحوا من أكثر اثريا الوطن ..تأكدي أن بعد العسر يسر .وأنت يا لين وضعك الف مرة أحين من غيرك من الأطفال .. ان هنالك اطفال كثيرة تحسدك على وضعك لآنك تذهبين الى المدرسة ، وهم عليهم أن يعملون رغم صغر سنهم
  • »على هذه الأرض ما يستحق الحياة (أميمة)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    من أروع ما كتبتي في الغد أخت حنان .. مقال مؤثر جدا و أكثر ما أعجبني هو النجاح الذي انتهى فيه المقال
  • »شكراً (jalal)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    شكرا لك على هذه المقالة الرائعة التي حركت وجداني وعايشتها وكانني انا لين بكل حذافير حياتها المحذوفة من صفحات الكتب

    شكرا على الدخول والخروج بكل صدق وامانة ونقل الحقيقة

    شكرا لك واتمنى ان التقي بلين يوماً ما..
  • »اختلف معك سيدتي ومع ابو الشعر (درويش) (ابو قصي المغترب)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    وقبل ان تتهمينني بأني محبط ومتشائم - فأنا كذلك فعلا. ولا اجد الأرض التي نستحق عليها الحياة - فأي حياة نستحقها نحن (الفقراء) والهواء والدواء والماء والغذاء والكبرياء كلها مصطلحات يمارسها الأغنياء منهم الفاسدين الأغنياء حتى أصبحت أمتعض من كل كلمة تنتهي بألف وهمزة.
    فقليل من البشر يسيرون على الأرض وكثيرون تحتها يشعرون بأقدام السائرين عليهم ويتمنون أن تنشق الأرض وتبلعهم ليقتصوا منهم داخلها ويحاسبوهم عن كل ألف وهمزة تنعموا بها وبخلوا على من يستحقون الحياة - فأنا مثلا لا استحق الحياة فموتي ارحم لي من حياة بلا حياة - وهل حياة (لين) التي لا تحمل حياتها اي صفة من اسمها نسميها حياة - وهل حياة (سين سين) تسميها حياة - وهل حياة شعوبنا العربية تسميها حياة - السؤال هل نحن فعلا نستحق الحياة؟ بإعتقادي لا .. والمعذرة منك سيد الكلمات (محمود درويش) فأنت وقليل من أمثالك يستحقون الحياة لأنك حرا ومت كالأشجار وبرغم ذلك لم تطلب الحياة إلا ليحيى غيرك.
  • »رائعة (علاء)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    مقال أكثر من رائع
    وبالفعل يوصف بشكل تفصيلي معاناة طلاب مدارس الوكالة وحتى مدارس الحكومة
    أنا اختبرت الدراسة في الوكالة وفي الحكومة...
    وكما يقال:
    الخل أخو الخردل
    والله يكون في العون.
  • »الفلسطينيون تعبوا من التشرد .... (معاذ بهتيني)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    صباح الخير عليك .. صباح معطر بكلماتك الحساسة المفعمة بالذوق
    و أنا أقرأ مقالك دمعت عيني من وصفك الباهر للفتاة البريئة المعدمة الحيلة و التي تمثل الشعب الأبي الفلسطيني و عنفوانه حين تتكالب عليه الأيام ... و لا أقول كل الفلسطينيين لأن الفقراء فقط و الذين ذاقوا طعم التشرد المر هم أصحاب الارادة القوية و الشكيمة ... انهم كلهم لين في مدرسة الأونروا ....
  • »لا تياسي (رلى)

    الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    على هذه الأرض ما يستحق الحياه
    مهما عانينا ومهما قست علينا الحياه بظروفها التي لا تتغير الا للاسوا فهناك بصيص من الامل يجعل لحياتنا معنى
    لا تياسي لين لا بد ان ياتي الفرج
    ولا بد ان تحل الامور لتجدي لطريقك معبرا