قضايا في أمن الطاقة.. أمن الطاقة في دول الخليج: بين الحقيقة والوهم

تم نشره في الأحد 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

1 - توطئة

يمكن تأطير الاهتمام بأمن الطاقة وقضاياها المتشعبة من الناحية التاريخية إلى عشية الحرب العالمية الأولى، عام 1914 حين اتخذ الزعيم البريطاني ونستون تشرتشل، وكان في حينها وزيرا للبحرية، قرارا بتحويل طاقة أسطول البحرية التي كانت تعمل بالفحم إلى العمل على النفط الخام، لجعل الأسطول البريطاني أسرع وأكفأ من نظيره الألماني.

ومنذ ذلك التاريخ، بدأ الاهتمام المتصاعد بأمن الطاقة. إن مرد الاهتمام بهذا الموضوع لا يعزى فقط إلى اختلال التوازن بين عرض الإمدادات والطلب عليه في السوق، وما رافقه من ارتفاع مطرد في الأسعار التي لامست عتبة الـ150 دولارا للبرميل في آب (أغسطس) من عام 2008، بل يمكن أن يعزى كذلك إلى أن أمن الطاقة أصبح مرادفا للتهديدات الإرهابية وعدم اليقين في بعض الدول المصدرة، وإلى السباق والتنافس الجيوسياسي، وحاجة الدول للطاقة لتعزيز النمو الاقتصادي.

وعودا على بدء، ينظر إلى التهديدات الإرهابية التي طالما تصدر عن تنظيم القاعدة باستهداف مفاصل الاقتصاد العالمي وبنيته التحتية بما في ذلك المرافق النفطية ومصافي التكرير كأحد مصادر عدم الاستقرار لسلامة إمدادات الطاقة. إلى ذلك فإن العالم آخذ بالاعتماد على مصادر طاقة من دول ما تزال نظم الأمن فيها قيد التطوير. وتبرز بين الآونة والأخرى خلافات سياسية تؤثر بشكل غير محسوب أو متوقع على تدفق الطاقة وانسيابها، ولعل مثال ذلك ما حصل في مطلع عام 2008 من خلاف بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا حول تسعير الغاز الطبيعي، وإلى توقف إمدادات الغاز المتجهة إلى أوروبا ولا سيما إمداداتها إلى بولندا وألمانيا.

إن تجليات أمن إمدادات الطاقة لا تتوقف عند هذا الحد فقط، بل تمتد لتشمل مع النمو المتسارع في تجارة الطاقة ما يعرف بـ"نقاط الاختناق" Transit Choke Points عبر الممرات البحرية. ومن أهمها مضيق هرمز قبالة الشواطئ الإماراتية، والتي يمر من خلالها أكثر من 17 مليون برميل يوميا أو ما يعادل 40 % من تجارة النفط البحرية. ومن نقاط الاختناق الأخرى التي لا تقل أهمية عن مضيق هرمز كل من مضيق مالقة الذي يربط شبه القارة الهندية بشواطئ المحيط الهادي، ومضيق باب المندب الذي يربط بحر العرب بالبحر الأحمر، ومضيق البوسفور الذي يربط البحر الأسود وبحر قزوين بالدول المطلة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

2 – أمن إمدادات النفط والغاز في دول الخليج العربي: بين الحقيقة والوهم

إن دول الخليج العربي بما حباها الله من ثروات طبيعية نتيجة مصادفة جيولوجية تحتل اليوم أهمية فائقة قدر تعلق الأمر بالطاقة، ولا غرو في ذلك، لاسيما أن دول الخليج (بالإضافة إلى العراق وإيران) لديها من الاحتياطات النفطية المؤكدة، كما في نهاية عام 2009 ما يصل إلى 754 بليون برميل أي ما يعادل 57 % من الاحتياطات العالمية المؤكدة المقدرة بـ1333 بليون برميل. في حين يصل إنتاج النفط فيها إلى أكثر من 5ر24 مليون برميل يوميا حسب آخر البيانات المتاحة، أو ما يعادل 30 % من الإنتاج العالمي.

إزاء هذه المعطيات أضحت منطقة الشرق الأوسط والخليج تحتل أهمية قصوى في الجدل المحتدم حول أمن إمدادات النفط. إن أحد الأشكال التي يقوّم فيها أمن الطاقة، بالإضافة إلى ما يبرز إلى السطح بين الآونة والأخرى من دعوات، تنذر بقرب نضوب النفط وهم أنصار ما يعرف بـنظرية (ذروة النفط) Peak Oil Theory وهي درجة الاعتماد على الواردات (Degree of Dependency). ومن هنا احتلت دول الخليج والشرق الأوسط القدح المعلى لاعتماد العديد من دول العالم عليها في تأمين إمداداتها. وما تزال ماثلة في الأذهان التصريحات الشهيرة التي أطلقها الرئيس جورج بوش الابن في خطابه عن حالة الاتحاد عام 2004 بما مفاده أن: الولايات المتحدة أصبحت مدمنة على النفط الذي ما فتئ يأتيها من دول غير مستقرة، ما يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة، مضيفاً أن الولايات المتحدة ومن خلال التطورات الهائلة في التكنولوجيا، عاقدة العزم على تقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط بنسبة تصل إلى 75 % بحلول عام 2025.

إن هذه الشكوك حول عدم ضمان التدفق الآمن والمستقر من دول الشرق الأوسط تغذيها عوامل عديدة؛ لعل أبرزها احتلال العراق للكويت عام 1990 وما ترتب عليه من فقدان السوق لكميات تراكمية خلال عام 1990/1991 تربو على 420 مليون برميل، فضلا عن الحرب العراقية الإيرانية التي شهدت في بداياتها تراجعا في إنتاج وتصدير البلدين.

وقد سارعت دول الخليج في كلتا الحالتين خاصة السعودية بالاستجابة الفورية لنقص الإمدادات في السوق، من خلال توظيف طاقتها الإنتاجية الفائضة والتي وصلت إلى 5 ملايين برميل يوميا إبان الأيام الأولى للغزو العراقي لدولة الكويت. وقد لعبت السعودية بذلك ما يعرف بـ"المنتج المتمم" Swing Producer في السوق، ما أفضى إلى احتواء النقص المحتمل في إمدادات السوق العالمية.

إن نظام أمن الطاقة العالمي، كما هو معمول به اليوم، جاء كردة فعل لحرب أكتوبر عام 1973 حين أشهر العرب لأول مرة في تاريخهم وبشكل فعال وناجع سلاح النفط، من خلال فرض الحظر النفطي على الدول الموالية لإسرائيل. وكان من نتائج ذلك وبنصيحة من مستشار الأمن القومي الأميركي هنري كيسنجر إنشاء ما يعرف بـ"وكالة الطاقة الدولية" عام 1974 التي تتخذ من العاصمة الفرنسية باريس مقراً لها، والتي تضم في عضويتها اليوم 28 دولة أوروبية.

إن أيّ متتبع للتاريخ القريب لسجل الدول المنتجة للنفط يميط اللثام عن حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن أغلب الاضطرابات التي تشهدها الدول النفطية تنحصر في دول خارج منظومة الخليج العربي والشرق الأوسط، منها على سبيل المثال لا الحصر الإضرابات العمالية لعمال النفط التي شهدتها فنزويلا عام 2002 احتجاجا على ترشيح الرئيس الفنزويلي شافيز لولاية ثانية، كان من نتائجه تراجع الإنتاج فيها إلى أكثر من الثلث. كما تشهد نيجيريا أكبر دولة نفطية في أفريقيا قلاقل مستمرة من قبل المتمردين الانفصاليين في حوض دلتا النيجر، ما سبب تراجع صادرتها للولايات المتحدة. كما تلوح في الأفق حاليا التهديدات الإيرانية حول إيقاف الملاحة في الخليج على خلفية التطورات في ملفها النووي، أضف إلى ذلك، فإن منطقتنا العربية في الخليج بخلاف المناطق الجغرافية الأخرى هي في منأى عن الأعاصير كإعصار كاترينا الذي ضرب خليج المكسيك صيف عام 2005، كما أن منطقتنا يندر أن تشهد توقفا في إنتاجها لأسباب فنية، بخلاف ما حصل مؤخرا في أميركا في حادث المنصة الشهير Deepwater Horizon التابع لشركة بي بي، والذي كان من نتائجه تسرب كبير للنفط في المياه العميقة قبالة شواطئ فلوريدا وحدوث أضرار بيئية كبيرة لا تحمد عقباه.

خلاصة القول أن الإمدادات التي مصدرها دول الخليج العربي هي إمدادات موثوقة يشهد على ذلك سجلها التاريخي الممتد لعقود طويلة خلت.

3 - دور الأوبك ودول المجلس كأداة لتحقيق استقرار الإمدادات

حرصت منظمة الأقطار المصدرة للبترول، أوبك، منذ إنشائها عام 1960 في بغداد والتي احتفلت قبل أيام بيوبيلها الذهبي بمرور خمسين عاما على إنشائها، حرصت على تأمين استقرار السوق من خلال إمداده بما هو مطلوب لتحقيق التوازن من دون الإخلال بأسعار النفط. ولبلوغ ذلك تجهد الأقطار الخليجية والعربية الأخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الاستثمار الرأسمالي في مشاريع الطاقة المتعددة، إذ تشير المنظمة العربية للاستثمارات البترولية (أبيكورب) إلى إنفاق أكثر من 478 بليون دولار لهذا الغرض خلال الفترة 2011 - 2015 تتركز أغلبها في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر، بالإضافة إلى دول أخرى كالعراق والكويت والجزائر. إلا أن الاضطلاع بمثل هذه المشاريع الباهظة التكلفة يستوجب توفر ما يعرف بأمن الطلب على الإنتاج (Security of Demand) أسوة بأمن المعروض من الإمدادات (Security of Supply) التي تشدد عليه باستمرار الدول الغربية المستوردة للطاقة.

إن المراقب للسوق النفطية اليوم يجد بروز رؤية أو شبه إجماع بين الدول الأعضاء في أوبك، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، أكبر منتج للنفط في العالم، بتأمين الاستقرار الآمن للإمدادات بما يلبي حاجة السوق من ناحية، من دون الإضرار بنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، من خلال الدفاع على مدى أو نطاق سعري يتراوح بين 70 - 80 دولارا للبرميل، وهو سعر عادل يلبي إلى حد كبير متطلبات الموازنة العامة لغالبية الدول الخليجية، كما يلبي طموح الشركات النفطية العالمية بما يضمن لها الولوج في استثماراتها النفطية خاصة في المياه العميقة وفي الحقول الحدية التي يصعب التنقيب فيها.

4 - الطريق إلى الأمام: من المواجهة إلى التعاون

بعد عقود من الاتهامات والاتهامات المضادة تحملت فيها الدول النفطية العربية وزر الافتراءات الكثيرة عند حدوث قلاقل في السوق، كما كان يحصل حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، شهدت الفترة منذ مطلع التسعينيات تغليب لغة الحوار والتعاون بين الدول المنتجة والدول المصدرة بلغت ذروتها في إنشاء (منتدى الطاقة العالمي) الذي اتخذ من العاصمة السعودية الرياض مقرا له بدءا من العام 2005 لتعزيز أمن الطاقة.

*مستشار الطاقة في مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية

التعليق