د.باسم الطويسي

إعادة تعريف الإنجاز الوطني

تم نشره في السبت 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 02:00 صباحاً

لا توجد لدينـا تقديرات موضوعية واضحة حول حجم تأثير المتغيرات الاقتصادية على بنى المجتمع الأردني خلال السنوات القليلة الماضية، لكن ما يصل إلى وعينا وما نلمسه من شواهد مادية تبدو في تفاصيل الحياة اليومية يشير بكل جديـة بأن حجم ثقـة الناس بالعمل العام قد تآكل تحت وطأة الاختلال الواضح في القدرات التوزيعية لعوائد التنمية ونتائجها، نعلم بأنه لا وقت لدى الحكومة الجديدة، كما لا خيارات واسعة أمامها للمناورة إذا ما أرادت استعادة بعض ثقة الناس التي تراجعت ليس فيما يتعلق بأداء الحكومات وحدها، بل وبأداء السلطات الأخرى وعلى رأسها البرلمان.

ما يذهب بنا مجددا للبحث عن اطار جديد ومعايير مختلفة لقياس الانجاز الوطني يبتعد عن النجاحات الآنية، وعن ادارة البلاد بالاجندة اليومية، نحو البحث عن عمق حقيقي للانجازات التي تصل الى الناس، واذا ما كان الملف الاقتصادي هو الهم الاكبر وجانب منه يقع ضمن مساحة خارج ارادة الافراد والمؤسسات، فان الانجاز الذي ينتظره الناس ضمن ما هو في متناول يد الحكومة يرتبط بالاشتغال على التفاصيل في ملفين هما كفاءة المؤسسات العامة ونخبها، والاشتغال الحقيقي على الفساد بكافة اشكاله ومستوياته، ما يحتاج تعبئة اجتماعية حقيقية تعيد تماسك المؤسسات من جهة وتبعث الدفء مجددا في علاقة المجتمع بالدولة.

بقيت أولويات الأردنيين منذ عدة سنوات لم تتغير، ما يفيد ان الحياة لم تتغير كثيراً، وهو الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر في نبض الناس اليومي وشؤون حياتهم وتفاصيلها الصغيرة، كما تؤكده استطلاعات الرأي المتكررة، وتدور تلك الأولويات حول مشكلتي الفقر والبطالة، ومواجهة الفساد المالي والإداري وشيوع الاسترضاء السياسي والاجتماعي، وفيما يتقدم الحراك السياسي المحلي مرة ويتراجع مرات أخرى لم يلمس الناس تغيرات حقيقية تصل إلى تفاصيل العمق المجتمعي رغم كل ما يقال ويتردد حول الإنجازات التنموية، فالحلقة الضائعة في أدبيات الحكومات الأردنية المتعاقبـة تتكرر في ضعف القراءة الاجتماعية للتحولات الاقتصادية وما تنطوي عليـه من أرقام قد تبدو في الكثير من الاحايين خادعة، والمشكلة الحقيقية تتأكد حينما تتحول إنجازات الإصلاح الاقتصادي والإداري وغيرهما إلى رنين مزعج يزيد من غربة القواعد الاجتماعيـة ويضاعف من متاعبها. الحلقة الضائعة التي تحتاج الحكومة الجديدة التقاطها تبدو في الوصول الى حزمة تعريفات حقيقيـة وشفافـة لمفاهيم الإنجاز الوطني، فما نملكه ركام هائل من الأرقام تتحدث عن إنجازات لم تصل للأسف إلى الناس ولم تلامس أطراف أو أعماق المجتمع، والغريب ان الناس في بلادنا لديهم طاقـة كبيرة على التفاؤل كلما لاحت في الأفق ملامح أو وعـود بالتغير، ولكنهم في المقابل يملكون حساسيـة عالية قابلة للانتكاس، ما يعيدنا إلى مركز الدائرة حول إعادة تعريف الإنجاز الوطني من جديد، فلقد حقق الأردن خلال السنوات الخمس الماضيـة على الصعيد الاقتصادي إصلاحات حقيقية، فلقد كان الأردن الأعلى إقليمياً أو الأكثر تقدما في مجالات التنافسية، وجذب الاستثمار الأجنبي، التنمية البشرية، الاستعداد المعرفي، ثروة الأمم ، الحريـة الاقتصادية وغيرها، لكن الأمر الأكثر قدرة على إثارة القلق يدور حول ما الذي وصل من كل هذه الإنجازات إلى عمق المجتمع، حيث لم تتغير وقائع الفقر والبطالـة ولم يحدث في أي منهما ازاحات حقيقيـة تسجل كإنجاز وطني بارز ورغم ان ترتيب الأردن ما يزال افضل من الجيران حولنا في موضوع الفساد المالي والإداري، إلا ان الحرب الدائرة ضد الفساد ما تزال محصورة بصغار الفاسدين، أولئك الذين تقام على رؤوسهم الدنيا ولا تقعد.

كل هذه التداعيات تطرح أمام الحكومة الجديدة إعادة التفكير بمفهوم الإنجاز الوطني، وخلق تعبئة سياسية واجتماعية على هذا الاساس، وأن تبنى حساباتها وبرامجها وخطابها لنيل ثقة الناس قبل البرلمان على مفهوم مختلف حول الإنجاز الوطني يمكن للناس ان يدركوه في تفاصيل حياتهم اليومية، فالناس بالفعل بأمس الحاجـة إلى الشعور بإنجاز وطني حقيقي.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحلم ايضا انجاز وطني (عامر التلاوي)

    السبت 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    تعقيبا على مقال الكاتب باسم الطويسي "اعادة تعريف الانجاز الوطني" اضيف بان اعلان الحرب على الفساد بكافة اشكالة والقضاء على المفسدين والفاسدين في كافة اجهزة ومؤسسات الدولة هو الانجاز الوطني الذي يريده الناس ولا يختلف عليه اثنين وتوزيع مكاسب التنمية المستدامة والشاملة على كافة محافظات الوطن والقرى والبوادي انجاز وطني من الدرجة الاولى والعدل والمساواة في الوظائف العليا في الدولة لكافة المواطنين على اساس الكفاءه والخبرة انجاز وطني بامتياز تحسين مستوى معيشة المواطن وتوفير السكن الكريم انجاز وطني بالاجماع مراقبة السوق وضبط الاسعار ومحاربة حيتانه انجاز وطني من الدرجة الاولى .
    استميحكم عذرا فانا احلم واعتقد بان الحلم ايضا انجاز وطني
  • »برنامج تخطيطي قومي ، أني ، متوسط ، وللمدى البعيد (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    السبت 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    'فالناس بالفعل بأمس الحاجـة إلى الشعور بإنجاز وطني حقيقي",ويجب أن يلمسوه في جيوبهم قبل عقولهم ..الحكومات السابقة لن تعطي اي اهتماما لشئون المواطنين في السابق ، وهذا ما جعل الأمور أن تسفحل وتتضرر وتدهور .وعلى الحكومة الجديدة ان تبدأ التخطيط القومي الأني لحل المشكلات الحالية ، والتخطيط لسنتين أو ثلاثة أو خمسة ,وتخطيط للمدى البعيد.