علاء الدين أبو زينة

الصّحافة، النّاسُ والسُّلطة..

تم نشره في السبت 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 02:00 صباحاً

تشكل المتغيرات الثلاثة: الصحافة، الناس والسلطة معادلة صعبة الضبط. لكن حاصل حسابها يلعب دوراً بالغ الأهمية في تحديد هوية المجتمعات وقياس مكانها في عالم اليوم. ولأن الديمقراطية، أصبحت معيار المكانة، فإن مما يعقّد المسألة في هذه الأوقات أن الديمقراطية نفسها أصبحت مفهوماً مراوغاً ومختلف التعريفات باختلاف السلطة التي تمتلك قرار تحديده، نظرية وممارسة، ناهيك عن صلاحية الديمقراطية الحديثة التي باتت موضوعاً للاستنطاق في مجتمعاتها نفسها.

تقع الصحافة، بشكل اعتباطي، في منتصف المعادلة الثلاثية الأطراف، بمعنى أنها تتوسط بين الناس والسلطة، بإطلاق مفهوم السلطة. لكنها تصنف مع ذلك باعتبارها "سلطة رابعة" في الوضع المثالي، ما يفترض أن تكون مستقلّة ومؤثرة مثل باقي السلطات. وفي الأعم الغالب، لا يوحي مفهوم "السلطة" بدلالات إيجابية في الذهن الجمعي. وفي هذا المزيج من التعريفات الملتبسة، تصبح أدوار الصحافة ملتبسة بدورها، فما العمل؟

تستمد الصحافة "سلطتها" من وسائلها للوصول إلى الأخبار من جهة، ومن وصولها إلى قطاع كبير جداً من الناس يومياً من جهة أخرى. ومع أن الأصل في نقل الخبر أن يكون محايداً، فإن الصحافة يمكن أن تؤثر في رأي الناس عبر التعتيم على خبر، أو تغطيته بطريقة أحادية منحازة لصناعة رأي محدد سلفاً. والمثال حملة الصحافة الأميركية لتسويغ حروب أميركا الإمبريالية الأخيرة. ولم يعن ذلك الغياب التام لصحافة مناهضة للحرب تصنع رأياً معارضاً، لكن المصالح الكبرى ولوبيات السياسة حرصت، وهي تدرك دور الصحافة، على احتواء المنافذ الإعلامية المؤثرة واستخدامها للتبويق والدعاية لفكرتها. وتعرف المنافذ باسم "صحافة التيار السائد"، وتستخدم أفضل العقول والأقلام لتحقيق أكبر تأثير في الرأي العام.

والحال أعقد من ذلك في الدول السلطوية الساعية إلى الديمقراطية أو الظهور بمظهرها. فهنا، يكون وجود "الصحافة" نفسه مشروطاً بتبعيتها للسلطات المختلفة: السلطة السياسية وسلطة الأعراف والعادات والمسلمات الاجتماعية الميالة إلى السكون والشد العكسي. ويكون وجود درجة من حرية الصحافة، أو صحافة معارضة، "ديكوراً" ضرورياً لتجميل "المظهر الديمقراطي"، ولذلك، يتاح للصحافة هامش محسوب لممارسة "النقد"، ضمن ما يُعرف في الوسط الإعلامي بأنه "سقف" الحرية.

وإذن، يمكن تشخيص حال الصحافة في العالم الثالث بأنه بائس ولا تحسد عليه، ببساطة لأن وجودها نفسه مشروط بمصادقة كافة أنواع السلطات المذكورة. وبهذا، ينشغل العاملون في هذا القطاع من ذوي النوايا الحسنة بمحاولة توسيع هامش التعبير واستغلال أي منفذ لتوسيع مساحته، ولكن من دون المساس بالتوازن الحرج الذي يعني الخطأ في تقديره فقدان الوجود: يجب أولاً كسب رضا السلطة السياسية التي تمنح الصحافة "رخصة" ممارسة المهنة؛ ويجب كسب ثقة الجمهور بالمصداقية، لأنه لا يمكن خداع الناس في وجود العولمة وتدفق المعلومات الحر، كما يجب عدم المساس بمعتقدات الناس و"ثوابتهم" حتى لو كانت تستوجب التغيير والنقد؛ ويجب مع ذلك كله أن تشعر الصحافة بأن لها دورا يحتاجه الناس ويدفعون ثمنه، والذي يفترض أن يكون محدداً بمواثيق المهنة وأخلاقياتها العليا.

عموماً، يعتبر إطلاق حرية الصحافة المسؤولة –مع إشكالية تعريف المسؤولية أيضاً- مقياساً لصدق السلطات جميعاً في إرادة التنمية السياسية والديمقراطية والتغيير. وهو شرط صعب يتطلب حساً أخلاقياً هائلاً بالمسؤولية عن الصالح العام، وليس فقط عن التشبث بالسلطة. وحرية الصحافة ضرورية لتعميق الديمقراطية، في حين يستحيل وجود صحافة حرة في غياب الديمقراطية. والعلاقة جدلية ودائرية، لكنها قد تقاس بقدرة الصحافة على صناعة رأي عام قد يتعارض مع الرؤية الرسمية، يمكن أن يؤثر فعلاً في السياسة القومية وتركيبة الحكومات. كما تتحدد بدرجة انحياز الصحافة لمصالح الناس العملية، بما في ذلك انتقاد وتفكيك مواطن التعطيل في عقلية الناس أنفسهم، كما في عقل سلطة صنع القرار.

من الواضح أنني لم أستطع وضع المقادير المثالية لمعادلة الصحافة والناس والسلطة، وإنما عرضت بعضاً من تعقيداتها. لكنني قصدت إثارة التفكير واستدعاء الإجابات. وقد اعتدنا على أن يسمع الناس صوت الصحافة، وربما آن أن تشرع الصحافة بسماع رأي الناس عمّا يريدونه منها، وإفراد مساحات أكبر لصحافة المواطن على صفحاتها ومواقعها الإلكترونية، بقدر يناسب ما تخصصه لصوت السلطة السياسية، علها تصبح وسيطاً للاتصال في اتجاهين.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حرية الكلمه (زهير عناب)

    السبت 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    "يمكن تشخيص حال الصحافة في العالم الثالث بأنه بائس ولا تحسد عليه"،
    حرية التعبير ترادف المجتمع الحر وإرادة ألأحرار .
    متى نكون أحرارا ؟ ألله أعلم.....
    كتب علينا!!!!
  • »الصحفي الأردني حائر بين اعالة اسرته أو نشر المعلومة الصاادقة ؟ (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    السبت 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    شكرا على هذا السرد الواقعي لدور السلطة الرابعة في عالمنا العربي الغريب الاطوار والعجيب بتشعباته وبمصداقيته العوجاء..
    ما دامت الصحيفة او المجلة التي ستصدر في اي بلد عربي عليها أن تقدم بيانات طويلة عن ميولها واتجاهاتها السياسية والدينية لطلب رخصة للعمل فالموالفقة او عدمها تخضع لميول دوائر الدولة لقبولها أو رفضها ..وهذا ما حذى بكبريات الصحف العربية أن تفتح فروعها الرئيسية في احدى عواصم العالم الأوروبي، خاصة في بريطانيا ..ولكن الخطورة هنا اقوى من خطورة الصف العربية لأن الأغراءات كثيرة أن تأتي احدى الجهات الأجنبية وتقدم اغراءات ماليه لا يمكن رفضها ليسطروا على مضمون الخبر .فكثير من الصحف العربية التي تصدر في الخارج لها اجتهاداتها وضغوطها على اصدار المعلومة...تخضع الصحافة الأردنية الى تمحيص شديد من دوائر رسمية ، وهي تملك السماح أو عدم السماح لأي صحيفة ، أو مجلة وحتى اي كتاب من الصدور أو عدمه ..وطبعا هذه أول مخالفة في حريات الصحافة بالأردن ...أنا أتألم لوضع كافة صحفينا في الأردن لأنه يشدهم عاملين .الآول اعالتهم لآسرهم ، او كتابة الخبر الصادق ..فأن فعلوا فاسرهم بأكملها ستتضرر ، وأن هم انساقوا لسياسة الدولة فضمائرهم الحية تمنعهم من النوم الهاديء