الغزل في الطبقة الوسطى

تم نشره في الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

تماما؛ كما هي استحضاراتنا الموسمية لقصائد الراحل نزار قباني في غزله النسائي، ثمة استيلاد فكري موسمي الطرح عن "الطبقة الوسطى" في مجتمعنا. تحت عناوين منها:- إعادة الاعتبار للطبقة الوسطى، لم يعُد في مجتمعنا سوى طبقتين العليا والسفلى..الخ. وكأننا في معزل عن هذا الحراك العولمي والكوني القائم فعلا على وجود ثنائيتين فاعلتين حقا في أي شيء؛ الدول المتقدمة والثانية المتخلفة،أو دول المركز والهامش. ولعل السؤال المفتوح على الحوار هو، هل يستقيم استمرار الحديث عن "طبقة وسطى" مع أطروحات العلم الراهن ونحن أبناء مجتمع عربي مسلم ما تزال مفاهيم الصدقة والتكافل مع نظام الإرث المؤدي إلى حماية النسيج الإنساني بيننا من جهة، والعامل بذات الوقت على إعادة توزيع الثروة وبالضد من الاستحواذ الطبقي المنتشر في العالم الأوروبي أو كما هو حال الانغلاق الطبقي في المجتمع الهندي على سبيل المثال ؟

أما الطبقة الوسطى فهي وبتجرد علمي اللاهوية اقتصادا وسلوكا اجتماعيا مصاحبا، لأنها التأرجح المزدوج وغير الناضج أو المحسوم بين قيم ومحددات الطبقتين العليا المولدة والمستحوذة على أدوات الإنتاج وعائداتها، وأبناء الطبقة الدنيا وهم الفقراء والممتثلون لشروط وآليات السوق استهلاكا وسلوكيات، نازعة إلى التقليد والتماهي مفاهيميا مع "التبرجز" عملا بأطروحات ابن خلدون القائلة بتأثر قيم المغلوب بقيم الغالب حضاريا.

إن خط التطور الموازي تاريخيا لمجتمعاتنا العربية الإسلامية يشير إلى أنها آخذة في التحول من قيم البداوة والاقتصادات البسيطة مرورا بقيم "الأرض والعرض" وصولا إلى حواف الاقتصاد والسلوكيات المدينية، أي إلى الأكثر تطورا وانفتاحا، لكنها لم تتمكن بعد من المنافسة على مستوى مجتمعات أو دول المركز رغم وجود النفط كأحد أوجه الاقتصاد الريعي الأبرز .

ولعل من المفارقة أن يحيلنا العالم الغربي "جاك بيرك" كعرب إلى ضرورة الانتباه إلى حقيقة التصنيفات والمراتب الخاصة بنا في التراث العربي الإسلامي قائلا "هناك فئة الصعاليك الذين لا يحتلون مكانا واضحا ومحدودا في التقسيم الاجتماعي للعمل، ويشبهون "البروليتاريا الرثة" عند الماركسيين. أما في مجتمعات المدينة العربية فقد كان التصنيف الاجتماعي التراتبي هو المهني وليس الطبقي، ويقوم تقليديا على فئات ثلاث،هي: التجار، أرباب الحرف والصنائع، رجال العلم والدين، وداخل كل فئة توجد مراتب عدة. كما تشير إلى وجود حالات شائعة من التزاوج بين مهن محددة، وبين طوائف دينية وأقليات اثنية مثل: فئة المزاب mzab في المغرب، حيث تتدخل الخصوصية الدينية- الطائفية والتخصص المهني الضيق. وبمعنى آخر لم يكن لدينا في التاريخ العربي الإسلامي مفهوم طبقي كما حدده الفكر الماركسي منذ القرن التاسع عشر. إن معظم الغزل التعبيري الدارج الذي نسمعه ونقرؤه هذه الأيام هو نتيجة لتأثرنا كمغلوبين حضاريا بتعبير أحادي غربي المنشأ وهو الطبقة أيا كان موقعها عليا أو دنيا، وليس التراتب الاجتماعي كتعبير اقتصادي وسلوكي اجتماعي دقيق يعبرعن واقعنا بخصوصيته الحضارية.

husain.mahadeen@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حول اندثار الطبقة الوسطى (ناصر أبو عين)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    لقد تنبأ غير واحد من علماء الإجتماع المعاصرين حول إحتمالية " انقراض الطبقة الوسطى في المجتمع العربي خصوصا" لقد بات انقراض الطبقة الوسطى شيئا محتملا وحتميا، فلقد انقرضوا منذ مدة في الرأي العام، وفي المشاركات الإصلاحية، ثم انقرضوا من وسط الحركة الاجتماعية العامة في بلادنا. وها هو انقراضهم الكامل بات وشيكا جراء تهميشهم الصريح المتكرر في بلادنا العربية.
    أتفق تماما مع الأستاذ الموقر د.حسن محادين حول آراءه الصادرة عن خبرة ودراسة إجتماعية مكثفة التمسناها منه في أكثر من مقال، وأعتقد ان الطبقة العليا هي المسبب الأول في دثر الطبقة الوسطى لا الحكومات أو سلطة النخبة. تحتاج الطبقة الوسطى إلى مساندة حقيقية، وخاصة أن تشكل عنصر التوازن الهام لاستقرار البنية الاجتماعية في بلادنا.
  • »رائع (حازم الضمور)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    من الرائع جدا ان نستمتع ما نقرا منك يا دكتور
  • »الكرك_مؤاب (محمد الطراونه)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    شكراً دكتور أبو مأب لقد أنصفت واقعنا ألمؤلم و ليس غريباً عليك الابدع في هذا المجال فجزيل ألشكر على ما تقدمون.