د.باسم الطويسي

تعليب الرأي العام

تم نشره في الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 02:00 صباحاً

يتكرر في أوقات الأزمات والتحولات أو الأحداث المؤثرة أن تتقاسم قوى سياسية واقتصادية مصادر تدفق المعلومات ومنابر وسائل الإعلام لتضيق المجال العام وتوجيهه نحو ردود الفعل والموقف من الأجندات والتفاعلات الداخلية والخارجية، أو تنمية اشتباكات وصراعات داخلية تترتب في ضوء تطورات داخلية أو إقليمية، يحدث ذلك بينما تكون هذه الوسائل غائبة عما يحدث في الداخل أو منسحبة بخجل وخوف، ما يعمق ما تنطوي عليه الحياة السياسية في هذه المجتمعات من ضعف وأحادية. هذا الواقع يفسر بعض جوانب العلاقة بين الإعلاميين والسياسيين ودورها في تردي الحياة السياسية، وبالتالي السؤال الأكثر أهمية، من يحدد ما يفكر فيه الناس باعتباره قضايا الساعة؟ وبكلمات أخرى، كيف يتم تعليب الرأي العام في قوالب جاهزة؟.

في المجتمعات المتحولة نحو الديمقراطيات الناشئة تتجدد فكرة الإكراه السياسي التقليدية، تحت ضغط هيمنة آليات السوق، أكثر مما كانت تفعله أدوات الإكراه التقليدية، حيث يسود نمط من الاحتكار في سوق الأفكار أقسى من نمط الاحتكار في سوق السلع.

من أسوأ حالات هذه الظاهرة أن ينتقل أسوأ ما في سوق السلع التقليدية إلى سوق الأفكار والمعلومات والمعرفة، حيث لا نجد من فكرة سوق الأفكار القائمة على أساس إتاحة الفرص العادلة والمتساوية في التدفق الحر للمعلومات والحق في تبادلها وتفسيرها إلا مجرد ظاهرة احتكارية صرفة، بمعنى أن السوق الحرة للأفكار تصبح أداة للهيمنة تخدم قوى اقتصادية في سوق السلع أو قوى سياسية أخرى.

الدراسات القليلة المتوفرة حول سلسلة الصلات بين الإصلاح الاقتصادي وكل من الإصلاح السياسي والإعلامي توضح كيف يرتهن مصير الإصلاحات المحدودة التي تنال الإعلام ومنافذ المعرفة لخدمة قوى سياسية واقتصادية بعينها تحتل المجال العام باسم النفع العام، وتتخذ من فكرة السوق الحرة للأفكارأداة لتسويغ احتكارها لسوق السلع والأفكار معا، خذ على سبيل المثال صورة التحولات في بعض دول أوروبا الشرقية المتحولة للتو للاقتصاد الحر في التسعينيات من القرن الماضي؛ وكيف ساندت الآليات التي فرضت على المنابر ومنافذ حرية التعبير سرقة فكرة سوق الأفكار من معناها الحقيقي من دون أن تجد لها موطئ قدم حقيقي على الأرض، مقارنة مع مسار الإصلاح في التجربة الهندية التي تمثل اكبر سوق مفتوحة للأفكار في العالم.

إحدى آليات تعليب الرأي العام الخانقة تبدو واضحة حينما تغيب أشكال الرقابة التقليدية، بينما يصبح الوصول إلى المعلومات صعب المنال، في المقابل تنشط جماعات صغيرة بدور التركيز والإغراق المعلوماتي والإعلامي الموجه، يحدث ذلك أيضاً باسم قوانين السوق والحق في الوصول إلى منافذ المعلومات من دون غيرها ويروج لذلك تحت مبرر ضمان المنافسة.

ان نمط العلاقات بين السياسيين والإعلاميين يعد احد المفاتيح التي تفهم من خلالها مسارات وانحرافات الحياة العامة في مرحلة التحول الديمقراطي، حينما تتحول هذه المرحلة إلى عملية أبدية لا تنتهي وتبرز فيها ظواهر لا تصدق، من خلال إدارة الصراع الاجتماعي باتجاهات محددة بعينها لا مهمة لها سوى استمرار الأمر الواقع، بما يخدم مصالح لا تتفق دوما مع النفع العام، ما يجعل التكاسر السياسي حرباً غير مقدسة، لا تؤسس لتنمية عناصر قوة الدولة، وليست معنية بجدل حقيقي حول السياسات وأرقام النمو ومحاربة الفساد أو التعرف الدقيق على مصادر التهديد الداخلية والخارجية.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اعلام حر نزيه (عامر التلاوي)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    تعقيبا على مقالة الكاتب باسم الطويسي " تعليب الراي العام " اضيف بان الاعلام الحر النزيه يعمل وفق ضوابط واحكام المصالح العليا للدولة بعيدا عن الشخصنه والاغتيال للشخصية اما الاعلام الهابط الرخيص هو الذي يبحث عن مكاسب انيه ووفق اجندات خاصة ويهدم البلاد والعباد .
    العلاقة بين السياسين والاعلاميين هي علاقة طردية والهدف منها اطلاع الراي العام على كل ما يهمهم وهذا ما نريده من اعلامنا المبجل