ياسر أبو هلالة

أخلاقية الصحافة ولا أخلاقية الأجهزة .. حتى في السويد

تم نشره في الاثنين 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 02:00 صباحاً

شكل موقع ويكيليكس معلما في تاريخ الصحافة العالمية، وتفوق بمجهوده التطوعي على مواقع صحافية عتيدة ورقية وفضائية وإلكترونية تنفق عليها بلايين. فضائح البنتاجون لم تظهر كما في القرن الماضي على صحفية نيويورك تايمز وواشنطن بوست، ولا على بي بي سي، ولا على الإندبندنت، ولا على الجزيرة، ظهرت أولا على ويكيليكس التطوعي ثم استفادت المؤسسات الكبرى منها.

من لا يفهمون ما الذي شهده العالم في آخر عقد لا يفهمون ويكيليكس. وهم مثل من يعتقدون حتى اليوم أن 11 سبتمبر مؤامرة داخلية أميركية، يستكثرون على شباب غربيين استفادوا من ثورة الإنترنت وسخروها لخدمة أهداف سامية، واستعدوا قبل ذلك لدفع الكلفة لا لقبض الثمن. ثورة الإنترنت تستخدم في جرائم تعجز الدول عن مواجهتها سواء كانت احتيالا مصرفيا أم إباحية غير قانونية أم "إرهابا". ويكيليكس خروج على النص لكن بدوافع أخلاقية.

لا يستطيع البنتاجون ولا النيتو قصف الموقع الإلكتروني بقنابل غير تقليدية، كل ما في استطاعتهم هو محاكمة من يعتقد أنه مسرب المعلومات أي العسكري الأميركي مانينغ، البالغ من العمر 22 عاماً، والذي يواجه ثمانية اتهامات بانتهاك القواعد الجنائية الأميركية بنقل بيانات سرية، تُمكّن من الحصول على أكثر من 90 ألف وثيقة سرية، بالإضافة إلى حسابات بريد إلكتروني، ونشرها على الانترنت، دفع العسكري الذي له موقف أخلاقي ضد الحرب كلفة موقفه.

رأس الأفعى ليس الجندي بل مؤسس موقع ويكيليكس، وهنا تكشَف أن الأجهزة الأمنية في العالم الأول لا تختلف عن نظيراتها في العالم الثالث. ولجأت إلى التصفية المعنوية بدلا من الجسدية. وعلى الرغم من الاستئناف الذي قدمه محاميه السويدي يوم الجمعة، أصدرت السويد مذكرة اعتقال دولية بحق جوليان اسانج مؤسس موقع ويكيليكس"المطلوب للاشتباه بقيامه بالاغتصاب والتحرش الجنسي". وقد تم تجميع كل المعلومات وإرسالها إلى جميع الأنظمة (ويقصد هنا السويدية، ودول شنجن، والهيئة العامة للاستعلامات، والبوليس الدولي "الانتربول") كما قال إن المدعي العام السويدي قد قرر إصدار مذكرة اعتقال بحق أسانج، "نحن واثقون أن البوليس الدولي يرغب برؤية هذه المعلومات".

البوليس الدولي ومقره مدينة ليون شرق فرنسا، قال إن المعلومات قد وصلته وقد اصدر أمرا باعتقال وتسليم أسانج. يذكر أن المحكمة الجزائية في مقاطعة ستوكهولم كانت قد قررت إصدار مذكرة توقيف بحق جوليان أسانج (39 عاماً)، وهو استرالي الجنسية، وذلك لاستجوابه بشأن احتمال قيامه بالتحرش الجنسي والاغتصاب في السويد خلال شهر آب/أغسطس الماضي.

لا يمكن تصديق رواية الادعاء السويدي، فمن يلعب بالنار مع الأميركيين لا يمكن أن يتورط في بلد مثل السويد بمحاولات تحرش أو اغتصاب. ما يمكن تصديقه أنه تم استخدام فتاة، وتتوافر لدى الأجهزة مئات وربما آلاف الموظفات والمستخدمات للقيام بهذه المهمة. وهي لا تحتاج مهارات معقدة، كل ما في الأمر أن تدعي، وهذه الفعلة تمارسها الساقطات في الشوارع لابتزاز زبون ثري ولا تحتاج للبنتاجون الذي يشكل أكبر موازنة بيرقراطية في تاريخ البشرية.

قد ينجح الإنتربول في القبض عليه، وقد يمضي في السجن سنوات، والمجرمون الذين ارتكبوا الجرائم في العراق وأفغانستان أحرار يتنعمون بسرقاتهم، لكن سيظل ما قام به الموقع من قبل ومن بعد نموذجا للسمو الأخلاقي الصحافي، بقدر ما يظل ما فعله البنتاجون وما تبعه من أجهزة نموذجا في السقوط الأخلاقي؛ سواء في فضائح ويكيلكس أو محاولة فضح مؤسس الموقع.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سيظهر مئة بدلا منه ! (خالد الشحــام)

    الاثنين 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    عندما نتكلم عن كاتب صحافي مشهور مثل روبرت فيسك فإن أحد أهم أسباب تمتعه بالشهرة في العالم كله يعود الى حياديته الصحافية ومحاولته تصفية كتاباته من شوائب العنصرية والأقليمية والعشائرية وتملق المسؤولين والحكام ولنفس السبب نحترم كاتبنا الكبير السيد ياسر ابو هلالة لمهنيته الصحافية العالية وانتمائه لدائرة الساعين وراء الحقيقة بغض النظر عن مصدرها عربيا كان أو اجنبيا وعدم تعلقه بالآفاق الضيقة التي انساق ورائها عدد كبير من كتاب العرب وكتابنا المحليين سعيا وراء المكاسب الذاتية الزائلة .

    لا شك أن في الظلمة دائما بعض بصيص الأمل ومهما حاولوا اخفاء الحقائق المرعبة حول الفظائع والجرائم التي اقترفتها أيديهم فلا بد أن يأتي اليوم الذي تتكشف فيه هذه الحقائق على مرأى العالم ومن الطريف في الأمر أن يأتي ذلك من أحد منهم ، الأكثر طرافة في الأمر أن بعض الجهات العربية ( وهي جزء من نسيج جسم الضحية ) يحاول التقليل من شأن وثائق ويكيليكس أو التعامل معها بالحد الأدنى من الأهمية ، فعلى ماذا يدل ذلك ؟
  • »تشويه الصورة ...حرفة (ماوية حميدان)

    الاثنين 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    نعم أستاذ ياسر فموقع ويكيليكس أثبت وجوده وبالحقائق والادلة فهدفه أخلاقي وهو إظهار الحق ولا غير ومن دون أي مصالح شخصية , وكل شخص محترم إحترم وجود الموقع الا المجرمين أنفسهم . فتشويه صورة أشخاص معينيين يتصفون بالبطولة أو بالنجاح هي حرفة تحترفها جهات معينة بدءا بالأفراد في مجتمعاتنا العادية وانتهاءا بالحكومات من مثل الإدارة الأمريكية التي عمدت وبالتواطؤ مع الحكومة السويدية لتشويه صورة اسانج مؤسس ويكيليكس وإتهامه بأفعال مشينة من باب الانتقام منه لعدم استطاعتهم ردعه أو إغلاق الموقع لأن الموقع مدعم بوثائق وحقائق وصور لا شك فيها وهي أدلة قوية على ظلم وفساد وجبروت الادارة الامريكية ومن يساندها في حروبها في العراق وأفغانستان .
    فالجندي الأمريكي مانينغ الذي كشف وثائق سرية تدين المجرمين ومعه أسانج سيدفعان الثمن ولكن بشرف والمجرمون الحقيقيون في بلاد الحرية الذين ارتكبوا الجرائم باقون ومثلهم كثر في كل مكان ولكنهم ساقطون أخلاقيا امام انفسهم ثم امام الاخرين ...
    شكرا استاذ ياسر فمقالك مهم وفيه تقدير وابراز للشرفاء الذين لا يرضون بالظلم ودون مارب أو منافع شخصية من طرفهم
  • »السمو الاخلاقي الصحفي (زيد سليمان)

    الاثنين 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    لا بد يا عزيزي الكاتب انك تعلم جيدا كم هم بارعون وتميزوا في براعتهم بصد أية ادعاءات تواجههم بأية وسيلة شرعية او غير شرعية ، ولديهم وسائل وبدائل لأية مواجهة ، كما ان ردهم وهجومهم كان مدروسا ومخططا وموضوعا وما عليهم سوى التنفيذ ، عداك عن تمكنهم من اغلب السلطات والأعلام الداعم لمواقفهم في شتى البقاع حيث يتم تغطية وستر بل وتزيين العديد من الجرائم المخفية بين ملفاتهم التي يملؤها الظلم والتي للأسف غالبا ما تسطر بأسماء أشخاص من امتنا .
    أحداث 11 سبتمبر لا تبتعد كثيرا عن ما ذكرته في مقالتك يا عزيزي الكاتب ، ولكن لاي منا لو تمعن جيدا وتقصى بعض المعلومات لوجد ان العديد ممن اثبتو ان هذه الاحداث هي مؤامرة امريكية ليست بحتة قد واجهوا مصير جوليان اسانج وموقع ويكيلكس ، ولكنهم من المكر والذكاء على ان تتحول الى فضيحة عالمية فزرعوا مئات الآراء يمينا وشمالا لتضلل المؤامرة الأصلية كي يتوه الباحث بين النظريات " وكانت هذه خطتهم " .
    أما بخصوص السمو الأخلاقي الصحافي فالكل في بلادنا يعرف ويميز بين الحق والباطل في ما يقال في وسائل الإعلام نظرا للانفتاح الفكري الغالب على مجتمعنا فكيف لخبير أعلامي ومتميز في الأعلام مثل شخصك الكريم . لكن ما يهمنا فعلا هو وجود من يتمتع بقدرة التمييز هذه في المجتمعات الغربية التي ضللتها وسائل الاعلام وكانه منهاج يسير عليه كل من له علاقة وحتى المتدربين الجدد في الأعلام الغربي >
    الصحافة يا سيدي هي شيء غير ملموس ومهنةسامية باصلها يمارسها العديد ممن الناس أصحاب القلوب الطيبة والخبيثة فقد تأتي كما ذكرت نموذجا للسمو الأخلاقي في نشر الحقيقة او تزييفها كما يفعل الغرب ، والصحافة اصبحت تتاثر بقدر ما تؤثر ، فالمال والسلطة قد يغير مسارها . والضمير أحيانا يعيدها إلى مسارها الصحيح .
  • »كيف تنكر ذلك؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ (فيصل قطامين)

    الاثنين 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    سيدي العزيز قد اوافق معك في المقالة ولكن لسنا متحجري العقول كما تدعي احداث 11 ايلول هي فعلة امريكية وهنالك مئات الاثباتات من الامريكان انفسهم فلماذا انت الوحيد الذي اسمعه يقول غير ذلك ؟