إبراهيم غرايبة

العالم هو من يراه الناس كذلك

تم نشره في الاثنين 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 02:00 صباحاً

العالم ببساطة هو الذي يراه الناس كذلك، ويمنحونه الثقة والاتباع على مسؤوليتهم هم أنفسهم، مهما كان حظه في الحقيقة من العلم، فثقة الناس ورأيهم في شخص ما (إتباعا أو اختلافا أو جدلا وحوارا) هي التي تمنحه صفة العالم، وبغير هذا المعيار فلا يمكن لأي شخص ادعاء نسبة العلم إلى نفسه أو نفيه عن غيره.

يمكن أن تطبق معايير الشهادات العلمية التي تمنحها الجامعات (والكثير من حملة الشهادات العلمية العليا في الشريعة الإسلامية وقادة كليات وجامعات إسلامية تخرجوا من جامعات أميركية وأوروبية) في التعليم الرسمي، والمؤسسات الحكومية والرسمية، والشركات (والبنوك الإسلامية لموظفيها المستشارين)، والإفتاء الرسمي، ولكن ثقة الناس وحدها هي التي تمنح شخصا صفة العلم، وحقه بالاتباع والاحترام،.. هكذا نشأت المذاهب الفقهية على سبيل المثال، فلم يكن أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد هم العلماء فقط والأئمة المجتهدين، ولكن الأمة منحت هؤلاء الأربعة ثقتها، والتزمت لفترة طويلة في تاريخها باتّباعهم.

وفي النهاية فإن القرآن الكريم موجه لكل إنسان، وإذا احتاج مؤمن به لمساعدة من أحد فهذا شأنه، وهو يقرر وحده ما المساعدة التي يريدها وما يحتاج إليه، وهو أيضا يتحمل وحده نتيجة إيمانه وفعله، ولن يفيده بشيء إن كان مخطئا أنه اتبع عالما، ولن يجادل الله بشهادة أو كفاءة وخبرة من اتبعه، وإن جادله بذلك فلن يفيده أيضا، والأصل في القرآن أنه موجه مباشرة إلى كل إنسان بذاته بلا وساطة "وما على الرسول إلا البلاغ"، وأنه مهيأ لفهم القرآن وتطبيقه "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر" ولا يملك الناس جميع الناس سوى أن يتبعوا فكرتهم وإيمانهم، سواء كانوا مخطئين أو مصيبين، ولا تستطيع قوة في الأرض أن تجبرهم على اعتقاد فكرة، ولا تستطيع أيضا أن تمنعهم من الإيمان بفكرة، "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" و"لا إكراه في الدين".

هناك مسألة أخرى متعلقة بفهم الدين، فليست دراسة الدين تهدف فقط لأغراض إعداد المدرسين والأئمة والقضاة الشرعيين والمفتين، ولكن الدين يدرس باعتباره علما ومعرفة أو موضوعا للدراسة والبحث والتعلم (دراسات دينية)، ويدرس أيضا وفق مداخل وعلاقات علمية ومعرفية في الفلسفة واللغة والاجتماع والسياسة والثقافة والفنون والاقتصاد والقانون والتاريخ الاجتماعي وتاريخ الأفكار والتاريخ بعامة، وهي مجالات أكاديمية بحتة، لا علاقة لها بالإيمان والتدين، ويشغل بها المسلم وغير المسلم والمؤمن وغير المؤمن والمتدين وغير المتدين، وإذا كانت الجامعات الغربية أو غيرها تمنح للناس ولاية على فهم الدين وتعليمه فلا يجوز بحال من الأحوال أن تنال صفة مقدسة، إنها مرجعية علمية محترمة أو غير محترمة، وليست غير ذلك.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مداخلات (م.محمد البعول)

    الاثنين 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    مداخلات :

    انا اتفق مع الكاتب الفاضل فيما ذهب اليه و لدي بعض المداخلات على مقالة اليوم ومقالة الأمس


    فيما يخص التخصص :

    • اعتقد ان تحصيل العلوم الانسانية ـــ وعلوم الدين تندرج تحت هذا الاطار ـــ أسهل من تحصيل العلوم الطبيعية والرياضيات .

    فأي شخص يمكنه قراءة كتب التاريخ والاطلاع عليها وتشكيل رؤيا ناضجة خاصة به ، ولكن ليس بنفس الدرجة من السهولة واليسر يمكنه قراءة كتب الطب والهندسة مثلا" ناهيك عن الجانب التطبيقي في هذه العلوم والمتمثل في المختبرات الطبية او العلمية الاخرى ( طب هندسة فيزياء كيمياء كمبيوتر ،،، الخ ).

    ولذلك تجد ان معظم الناس المهتمين يتحدثون في التاريخ والدين والادب ( الانسانيات بشكل ) عام وقد يُجيدوا الحديث في هذه المجالات ولكنهم لا يخوضوا بأمور الهندسة أو الفيزياء ، وهذا راجع الى عاملين :

    1 - التراكم المعرفي القليل لديهم في هذه العلوم .

    2 - والعامل الثاني ان هذه العلوم ( الطبيعية ) لا تمس حياتهم اليومية مباشرة مثل علوم الدين مثلا"،التي أصبح يحتاجها الفرد في كل حركاته وسكناته.

    ولذلك تجد لدى افراد المجتمع نهم دائم للسؤال والحديث عن الامور المتعلقة مباشرة بحياتهم وهذا السؤال من شانه ان يشكل كم معرفي ومن شانه ايضا" ان يشكل رغبة اكثر بإتجاه البحث بغض النظر عن التخصصات العلمية التي يختصوا بها .

    واتمنى على مشايخنا الافاضل ان يعوا جيدا" هذه المسألة وان لا يبقوا يمارسوا الفوقية المعرفية علينا بحجة واهية عنوانها التخصص .

    وبرأئي المتواضع ان المشايخ ( رجال الدين ) لجأوا لهذه الحجة لأنهم بدأوا يشعروا بالضيق والحرج من الاجابة على التساؤلات والاشكالات التي يطرحها المثقفون بشكل.



    من هو العالم ؟

    العالم هو ما يراه الناس كذلك ،،، كلام رائع ،،، ولكن لا ينسى استاذنا الفاضل الغرايبة ان مؤسسة الدولة احيانا" تتدخل وتلعب دور مهم في ما يراه الناس .

    فالدولة قد تتدخل وتتبنى عالما" معينا" او ومذهبا" معينا ويصبح هذا العالم هو العالم الحجة (( حجة الاسلام )) ويصبح المذهب هو مذهب اهل الحق والصلاح ومذهب الفرقة الناجية .

    وهذا ما حدث تاريخيا" ولذلك نجد ان علماء تحتاج الى التنبيش في بطون الكتب حتى تعثر لهم على رأي بينما هناك علماء كتبهم مطبوعة وموزعة بالمجان ،،، وهناك ايضا" مذاهب قوية ولها حضورها بينما هناك مذاهب قد انقرضت وليس لها مريدين كمذهب الامام الاوزاعي مثلا" .

    اتفق مع الكاتب الفاضل فيما ذهب الية ، فالقرآن الكريم كتاب سهل وميسر ويخاطب جميع الناس وعلى جميع المستويات ولمختلف العصور وهنا تكمن عظمة هذا القرآن ، ولو كان القرآن فيه غموض او طلاسم لأستغل كفار مكة هذا المسألة ولأحتجوا بها على رسالة سيدنا محمد .

    ولكنه جاء قرأنا" (( عربيا" : واضحا" )) فيه تبيان لكل شيء ، طلب منا الله عز وجل تدبره وهذا التدبر لا يخص فرد ولا طبقة ولا مرجعية معينة بل هو خطاب موجه لكل من يقرأ القرأن ، وليس الهدف من التدبر هدفا" ترفيها" بل هو الهدف الرئيسي من التنزيل فقال تعالى (( كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا اياته وليتذكر اولوا الالباب )).

    شكرا" للغد وللإستاذ الغرايبة هذه المواضيع التي قد تؤسس لمرحلة جديدة في حياة وفكر الامة .
  • »تشجيع على التطرف (د. أحمد)

    الاثنين 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    أخي الكريم إبراهيم غرايبة
    أنا من المعجبين بثقافتك العالية جدا وبمقالاتك المفيدة، لكني أرى أن الصواب هنا قد جانبك.
    لن أخوض معك في التفاصيل ولكني أذكرك بأن جزءا كبيرا من أسباب التطرف في فكر الجماعات المنحرفة قد خرج من عباءة الأفكار الداعية إلى تمييع ضوابط المفتي والفتوى.
    إن الدعوة إلى تمييع معنى العالم والمفتي والمجتهد ومن يحق له الاستنباط من القرآن: دعوة إلى التطرف لا محالة، لأن الجاهل باللغة وقواعدها والأصول والحديث والمنطق والعقائد والفلسفة والبلاغة ووو يرى نفسه أهلا لتكفير الناس حكاما وشعوبا بقوله تعالى "ومن لم يحكم ..." الآية.
    مشكلتنا مع هؤلاء إنما جاءت من جرأتهم على فهم النصوص، دون الرجوع لمعنى العالم التقليد المدون في كتب الأصول، فراحوا يكفرون ويقتلون ويدمرون باسم الكتاب والسنة!
    ولما نحاججهم بأنكم لستم من العلماء الذين يستطيعون النظر في الكتاب والسنة وأن عليكم فهم الكتاب والسنة كما فهمها الأئمة المجتهدون وأن الفتوى ليست لكل أحد: فإن جوابهم لن يخرج عن ما ذكرتم في مقالتيكم في اليوم والأمس، ولو دققت فيهما جيدا فستعرف صحة ما أريد.
    إن "رسم المفتي" الذي يحدد ضوابط المفتي في المذهب الحنفي وغيره مثلا من أهم ما يضبط الفتوى في عالمنا الإسلامي اليوم، ويقينا شر التطرف والإرهاب.
    أما إرجاع الأمر لنظر العوام وعامة الناس فقد اعتقد كثيرون -ولا زالوا- بأن ابن لادن والزرقاوي والظواهري وغيرهم من العلماء المؤهلين للفتوى، ووأنا وأنت نراهم أبعد الناس عن ذلك، بل إني وإياك نرى من يفتي بحرمة قيادة المرأة للسيارة وحرمة إهداء الزهور للمريض! غير مؤهل للفتوى، مع وجود طبقات كثيرة من المجتمعات يرون أنهم من "شيوخ الإسلام"! فلا يمكن إرجاع الأمر إلى الناس!
    ودمتم بكل خير!
  • »العلماء (يوسف العواد)

    الاثنين 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    العلماء انواع.منهم من تاثر بالواقع الاجتماعي و السياسي و التاريخي و البيئة التي عاشوا فيهافهم يعيشون في دائرة او مدار واحدويحاولون اسقاط فهمهم على الناس رغم اختلاف الظروف.ومنهم وهم قلة من تاثروا بمدارات كثيرة ربطوا فيها الماضي و الحاضر و المستقبل برؤية تعبر عما توارثه الناس وخبروه عبر تجارب كثيرة .محصلة تجارب الناس عبر التاريخ هي خير علم وهي الميزان التي تقدر عالم عن عالم اخر.لذلك اتفق مع راي الكاتب على ان العالم هو الذي يراه الناس كذلك.انه الراي العام الذي تبلور عبر طريق طويل اختلطت فيه الافكار و الاجتهادات والانقسامات وما تبعه بعد ذلك من الاقتتال عمن يملك الحقيقة المطلقة.عين على النص المقدس وعين على الواقع هو السبيل للخروج من مازقنا التاريخ الذي نعيش فيه.النص المقدس لا خلاف على قدسيته ولكن فهم النص المقدس و الاجتهاد فيه ليس مقدسا لان البشر معرضون للخطأ والصواب.الواقع هو صورة صادقة عن تأثير العلماء.
  • »مرجعية علمية غير مقدسة؟؟ (أردنية)

    الاثنين 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    أخي الكاتب أفهم ما تقول وأتفق معك تماما، ولكنك تعلم علم اليقين أن هذه المرجعيات أصبحت ذات قدسية تفوق أحيانا قدسية النص! علماء الدين القدامى حازوا على قدسية تصل إلى درجة (التأليه)، ويا ليت الأمر اقتصر عليهم، فهذه القدسية تمتد لتشمل التابعين أيضاً! كيف تريد أن تلغي القدسية عن كل أولئك وهؤلاء؟ هل تعلم أن أحد العلماء المفسرين ذوي الهيبة والاحترام قد فسر كلمة (العرش) في القرآن على أنها تعني (حيوان كبير يجلس الرحمن عليه)؟ أقسم لك أني صدمت عندما قرأت هذا التفسير. مع ذلك ستجد من يقتنع ويؤمن به فقط لأنه صدر عن ذلك العالم الجليل!

    مشكلتنا يا أخ ابراهيم عويصة. أنا أعتبر الوصاية الدينية نوع من الاستعباد (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟) فليَفعل الجميع عقولهم وليتفكروا ومن ثم يختاروا ما يرونه مناسبا، فلن يتحمل أي شخص وزر غيره وكل مسؤول عن نفسه.

    أتمنى أن تسهم كتاباتك العميقة في إحداث تغيير إيجابي ولو بمقدار ذرة.
  • »المعنى؟ (ابو خالد)

    الاثنين 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    وكأنك يا استاذ ابراهيم تقول بأن الدين هو علاقة ما بين الانسان وربه ولا احد كائنا من كان, له سلطة على توصيف او تأطير او قولبة هذه العلاقة.هذا كلام جميل ويا حبذا لو فهم من الناس عامة على هذا الشكل.مشكلة البشر منذ ان ظهرت الاديان هي في اولئك "الاشخاص العلماء" الذين اخذوا على عاتقهم ان يستولوا على الدين وان يفرضوا فهمهم هم للدين على الاخرين ,وان يغلقوا ابواب الجنة بمفاتيح من اختراعهم لا تعطى الا لمن يسير خلفهم ,اسوأ استغلال للدين قام به السياسيون الذين توفر لهم دائما علماء يلووا لهم عنق الدين ومعانيه الساميه ليلائم اهوائهم ,مما حدا ابن رشد ليقول قولته الشهيرة :"الدين ابن رضيع للسياسة وفي ركابها"
  • »ما هو الهدف من دراسة العلوم الشرعية؟ (حمزة احمد ابوصليح)

    الاثنين 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    اتفق تماما مع ما ذهب اليه كاتبنا الاستاذ ابراهيم غرايبة ، بأن الناس هم الذين يعطون ثقتهم بالعالم ويكسبونه غطاء العلم وليست الشهادات العلمية وحدها هي التي تكسب العلم ، فان كثيرا من العلماء اكتسبوا الثقه من الناس وليس معهم اي شهادة عليا ، وكثير من العلماء الذين يحملون الشهادات العليا لا يعرفهم احد ؛ والسبب في رأيي ان البعض ممن يريد حمل الشهادات العليا يكون همه الوحيد هو الارتقاء بالوظيفة وزيادة دخله ، ولا يكون هدفه هو نشر العلم وخدمة المجتمع المحلي .
    وهذا يظهر جليا في الدراسات الاسلامية ، فيجب ان يكون الهدف من دراسة العلوم الشرعية هو التقرب من الله اولا ومن ثم الرزق ، فلا تعارض بينهما .