علاء الدين أبو زينة

يا كفر قاسم..!

تم نشره في الأحد 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 02:00 صباحاً

في السبعينيات، وعلى جدار مدخل مدرستنا الابتدائية، كان يطالع عيوننا الطفلة كل صباح سطر من قصيدة خطته يدٌ صناع: "يا كفر قاسم لن ننام وفيك مقبرة وليلُ".. وبمرور سنوات الدراسة الابتدائية فالإعدادية، انطبعت تلك العبارة كالوشم في الأذهان التي طالعت هذا السطر يومياً مثل النشيد الصباحي.. وقبل أيام، صادفت عنوان مقال كنت أترجمه: "مذبحة كفر قاسم.. انتصار الذاكرة". واستوقفني في خطاب العبارتين انزياح في النّبرة: كان في عبارة محمود درويش، المكتوبة في الوعي الأول، وعدٌ متفائل بأن لا يبقى الليل والموت مقيمين طويلاً على كفر قاسم. أما العبارة الثانية، فلا تحمل وعداً ولا تحكي عن تحقُّق وعد، وإنما تحتفي بمجرد نجاة الذكرى من هجمة النسيان.

لا شك في أن نجاة الذاكرة من "زهايمر" التاريخ تستحق الاحتفال، لأن أي قضية هي -بعد كل شيء- صراع بين الذاكرة والنسيان. فإذا نجت الذاكرة، عاشت القضية، وبقي النضال في سبيلها مفتوحاً على احتمال الانتصار. وقد مرّت الذكرى 54 لمذبحة كفر قاسم في التاسع والعشرين من تشرين الأول الماضي، وما تزال المقبرة والليل يخيمان على البلدة المتروكة، بعد أن وهبتها "العدالة" الدولية، فالعرب، فالفلسطينيون "الرسميون" لكيان الاحتلال، أعطية جزاءً على استباحته دم الفلاحين الوادعين. ومع الوقت، أصبح بوسع العيون أن تنام، على الرغم من الليل والمقابر المطبقة على آلاف القرى المذبوحة.

من الملفت في قصة كفر قاسم أن سلطات الاحتلال العسكري أجبرت عائلات الضحايا في العام 1957، بعد سنة من المذبحة، على عقد "صلحة" حسب التقاليد العربية. فجمعت 400 من فلسطينيي القرى العربية ومن المستعمرين اليهود، وأجبرت الفلسطينيين على التنازل والمسامحة في الدم. وبذلك، أجازت لنفسها إطلاق سراح السفاحين الذين أرتكبوا المذبحة بلا جريرة ولا عقاب، وانتهت القصة بارتياح "الضمير" الذي لا يتعب من القتل، بفنجان قهوة وتبويس لحى (على الطريقة العربية).

والآن، ثمة فكرة "الصلحة" ذاتها تعنون القضية، ولو بتسمية أكثر تمدناً وعالمية: "عملية السلام". والعملية الجديدة ليست "صلحة" بالمعنى العربي، لأن الصلحة تقتضي أن يأتي المذنب مصطحباً جاهة من "الوجوه"، طالباً الصفح وقد وضع عقاله في رقبته وأقر بذنبه، وقد يجلو مع ربعه من الجوار حتى تهدأ الخواطر. ومع أن هذا الترتيب قد يكون شكلياً، فإنه يحفظ للمثكولين ماء الوجه على الأقل. لكن "صلحة" الصهاينة، كانت دائماً إجبار المكلومين على التنازل والمسامحة بالحق والدم على حد البندقية وتحت سوط الرعب. وقد نفع ذلك، فكثر الذبح في رقابنا، وراكم القاتلون ما شاؤوا من الضحايا، عارفين أن بوسعهم أخيراً جلب أوصياء المقتولين وتبصيمهم على صك "صلحة"، حتى بلا تعويض ولا دية.

اليوم، سقطت كفر قاسم -المكان والناس والدم- من قائمة المطالب العربية. وبعدها أزيلت مئات "كفر قاسم" تباعاً من على قائمة الحق الفلسطيني، واكتُفي بتخزينها لتصدأ في مستودع الذكريات. بل إن ذكرى المذابح جميعاً أصبحت تمر على الهامش بلا ضجيج، ومن دون أن يلحظها أحد تقريباً. وحتى الخطاب الشعري القديم، تحول هو نفسه إلى ثيمات أكثر "إنسانوية"، وأصبح المثقفون يرون في المطالبة بالحق الراسخ عبئاً وإغراقاً في "الشعاراتية". وفي الواقع، وقعنا في خلط ممضّ بين ما يجب ولا يجب؛ بين الطوباوي والواقعي؛ وبين ما يحقّ لنا وما لا يحق. وفي هذه الفوضى سقطت الكثير من الحقوق-الحقوق على الطريق!

بعد كل هذه السنين والشيخوخة التي غضنت وجه التاريخ والناس. لا أعرف إذا كان ذلك السطر ما يزال مخطوطاً على حائط مدرسة الوكالة الابتدائية، أم أنه انمحى وغاب تحت طلاء التحديث وتأثيث الذاكرة بذكريات جديدة. لكن هناك على الأقل، محل الوعد بإزالة ستار الليل عن كفر قاسم، "انتصار الذاكرة". وبقاء الذاكرة قضية وانفتاح على احتمال الانتصار. وفي الذاكرة وصية موتى كفر قاسم التي كتبها درويش في الوعي الأول:

قالت عيونهم التي انطفأت لتشعلنا عتابْ:

لا تدفنونا بالنشيد، وخلدونا بالصمود.

إنا نسمِّدُ ليلكم لبراعم الضوء الجديد.

...

يا كفرَ قاسم لن ننام، وفيك مقبرةُ وليلُ،

ووصية الدم لا تساومْ..

ووصية الدم تستغيث بأن نقاومَ،

أن نقاومْ..

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كفر قاسم (زهير عناب)

    الأحد 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    أبدعت يا علاء وأهنئك على مقالاتك الرائعه . وعلينا أن نذكر الآجيال وأن نقاوم .. نقاوم .. نقاوم

    زهير
  • »نحن في فلسطين نفتقد الى ادب مقاومة فعال (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأحد 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    الفاتحة ، والصلاة الربانية على ارواح كفر قاسم.وألف شكر لك ايها الأخ الوفي على تدكيرنا بهده الفاجعة المؤلمة . ان عامل النسيان عند الأنسان عامل هام من رب العباد ، ولولا عامل النسيان لما تمكن الأنسان العيش ابعد من عشرين عامامن عمره ..وفي الوقت ذاته علينا كل عام أن نقيم المناسبات الدينيىة والأجتماعيه لنتذكر هذه المأسي المريره ، والظلم الذي عاناه ، ولا يزال يعانيه أهلنا في الضفة المحتلة من قبل الصهاينة الغاشمين .
    وانا اشاركك الرأي بأن ذكرى هذه الفاجعة يجب أن تعطينا الدافع على الاستمرار بمطالبة بحقوقنا المسلوبة ..نحن نفتقد الى ادب مقاومة صحيح كأدباء المقاومة الأفرنسين ..فشعر المرحوم محمود درويش وغيره لن يدخل الحماس والأندفاع والفزعة لأي مستمع بأن يترك ما بفعل ويستل بندقيته ويقاوم مع المقاتلين. الشعراء الفلسطينيون الذين كتبوا عن فلسطين كان كلامهم جميلا ولكنه بفقد الدعوة الى المقاومة.وعند مغادرة قاعات الألقاء كانشعرهمالحماسي يطير من آذان الناس