خمسة ملايين دولار لقاء "شادوف و"دراويش" محمود سعيد!

تم نشره في الجمعة 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

بيعت قبل أيام قليلة لوحة "دراويش المولوية" للفنان المصري محمود سعيد، وهو من جيل الرواد (1897 - 1964) بمبلغ 2.5 مليون دولار عن طريق مزاد نظمته مؤسسة كرستيز العالمية الشهيرة في مدينة دبي، وهو أعلى مبلغ دفع لقاء لوحة لفنان عربي. وكانت لوحة أخرى للفنان نفسه، أي محمود سعيد، قد بيعت برقم قياسي في نيسان (إبريل) الماضي وهو قرابة 2.4 مليون دولار.

لوحة "الدراويش" رسمت عام 1929، بألوان زيتية على الخشب، وهي كبيرة الحجم نسبياً (68.5× 97 سم)، وتعود ملكيتها إلى د. محمد سعيد فارسي، وهو شخصية سعودية مستنيرة ومحبة للفن، يمتلك أكبر مجموعة خاصة من الأعمال الفنية المصرية، والتي تكاد تنافس، بعددها وتنوعها وكثرة أعمال الرواد فيها، ما تملكه المتاحف المصرية ذاتها.

ولا يغري بيع لوحة "الدراويش" بهذا السعر القياسي بالحديث عن صاحبها الفنان التشكيلي محمود سعيد فحسب، وإنما أيضاً عن شخصية مقتنيها، أي د. محمد سعيد الفارسي، وعن مجموعة الأعمال الفنية المصرية المقتناة من قبله. فالثلاثة: الفنان الرائد محمود سعيد، والمقتني السعودي محمد سعيد الفارسي، ومجموعته الخاصة من الأعمال الفنية، يمثلون ظواهر استثنائية قلما تجتمع لتشكل أضلاع مثلث ذهبي.

ولنبدأ بمحمود سعيد الذي احتل موقعاً مماثلاً لمكانة محمود مختار في النحت المصري، حسب تعبير الناقد المصري المعروف د. صبحي الشاروني.

ومحمود سعيد هو ابن أسرة ارستقراطية، فوالده هو محمد باشا سعيد، رئيس وزراء سابق، كما أنه، أي محمود سعيد خال الملكة فريدة، وكان من أكثر الرواد جرأة في موضوعاته وفي تعبيره الحر عنها دونما قيود. ويروي د. صبحي الشاروني عنه أنه هبّ للإفراج عن الفنان عبد الهادي الجزار، عندما قبض عليه البوليس السياسي، يوم افتتاح معرض لجماعة الفن المصري المعاصر، عام 1947، بسبب لوحته "الجوع".

ومحمود سعيد ولد في الإسكندرية ومات فيها، في اليوم نفسه الذي ولد فيه "8 نيسان(إبريل)". دَرَسَ في مدرسة فيكتوريا ثم بالمدرسة العباسية قبل أن يلتحق بكلية الحقوق ويتخرج فيها، وقد عين في سلك القضاء المختلط وترقى فيه الى أن عين مستشاراً في الاستئناف عام 1939. وفي عام 1947 طلب إحالته إلى التقاعد ليتفرغ للرسم.

كانت الإسكندرية في زمن محمود سعيد مدينة كوزموبوليتية بامتياز، تعج بالجاليات الأجنبية من يونان وطليان وأرمن وغيرهم. وعلى إيدي فنانين من أبناء تلك الجاليات، الذين كانت استديوهاتهم بمثابة كليات فنون مصغرة، دَرَسَ الرسم، وذلك قبل أن يلتحق أثناء دراسته العليا للقانون، عام 1920، بالقسم الحر من أكاديمية جراند شوميير ومرسم الكوخ الكبير وأكاديمية جوليان في باريس، حيث أمضى فيها عاماً.

أقام محمود سعيد معارض شخصية، في الإسكندرية والقاهرة، ومثّل مصر في بينالي فينيسيا الدولي لثلاث مرات في الأعوام 1938، 1950 و1952. وفي معرض باريس الدولي عام 1937، حيث نال ميدالية الشرف الذهبية، وعاد إلى باريس من خلال "معرض مصر/ فرنسا" عام 1949، والذي أقيم في متحف اللوفر. ومن العواصم التي عرض فيها بيروت، الخرطوم، وموسكو. أما نيويورك، فقد أقام فيها معرضين شخصيين عام 1937.

احتفت به جمعية الأتيلية بالاسكندرية وجمعية الصداقة الفرنسية، فأقامت له معرضين شاملين في عامي 1941 و1945. ولحقتها بلدية الإسكندرية بمعرض ثالث لأعماله عام 1960. وكرمته القاهرة أيضاً بمعرض شامل لأعماله عام 1951. وبعد عام من وفاته، أقامت بلدية الإسكندرية معرضاً استعادياً لأعماله، عام 1965. وربما لم يحظ فنان مصري بمثل عدد الكتب والمؤلفات التي وضعت عن أعماله منذ عام 1937 وإلى الآن. ويبقى أن نشير إلى أن مصر عبد الناصر منحته جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 1959.

تميزت لوحات محمود سعيد عن بقية أعمال الرواد من الرسامين المصريين، بوضوح مرجعياته الثقافية والبصرية المصرية، حيث احتلت المشاهد الطبيعية، مثل النيل وتلال أسوان وشاطئ مرسى مطروح، والموضوعات الريفية، مكانة مهمة في أعماله. لكن المرأة المصرية كانت اهتمامه الأكبر، حيث صورها في العديد من لوحاته الخالدة، ولعل أبرزها "بنات بحري"، و"نبوية"، و"ذات الرداء الأزرق"، وغيرها من الأعمال المعروفة.

إن بيع لوحتي محمود سعيد "الشادوف" و"الدراويش" بمبلغ يصل إلى خمسة ملايين دولار أميركي في عام واحد، يحيلنا إلى مجموعة د. محمد سعيد الفارسي الخاصة من الأعمال المصرية، التي باتت تمثل ثروة مالية هائلة، عدا عن قيمتها الفنية الاستثنائية. فهذه المجموعة وصلت إلى 648 عملاً حتى أواخر التسعينات، ومن المرجح أن عددها قد ازداد خلال العقد الأخير.

والواقع أن مجموعة الفارسي من الأعمال المصرية، تعد مجموعة متحفية أكثر من كونها مجرد مجموعة خاصة بنيت بمجهود فردي. يكفي أن نشير إلى ضخامة حصة الرواد فيها من أمثال: محمد ناجي، أحمد صبري، محمود مختار، راغب عياد، يوسف كامل، شعبان زكي وهدايات، عفت ناجي والحسين فوزي، سيف وأدهم وانلي، صلاح طاهر، وغيرهم. ولعل خير تعريف بهذه المجموعة النادرة هو الكتاب الذي صدر في عام 1998، عن دار الشروق بالقاهرة، تحت عنوان "متحف في كتاب"، من إعداد د. صبحي الشاروني، أحد أهم النقاد ومؤرخي الفن في مصر.

إن مجرد تصفح "متحف في كتاب" وتأمل الأعمال التي اقتناها محمد سعيد الفارسي، يستثير مزيجاً من الإعجاب والدهشة معاً.

يكفي هنا أن نشير إلى شهادة د. صبحي الشاروني في المجموعة، حيث يعرّف "بخمسة كنوز" تحتويها، الأول هو "كنز" محمود سعيد، الذي يضم 12 لوحة من روائع أعماله، ثم "كنز" عبد الهادي الجزار الذي يبلغ عدد لوحاته 65 لوحة، من بينها عدد كبير من أفضل وأشهر أعماله. ثم "كنز" حامد ندا الذي يضم أروع لوحاته وعددها 32 لوحة، وأخيراً "كنز" الفنان كامل مصطفى وعددها 24 لوحة. يقول الشاروني "إنها كنوز لم يجتمع مثلها من ناحيتي العدد والمستوى الفني في أي مجموعة أخرى، بما في ذلك مجموعة متحف الفن المصري الحديث".

يقول "المقتني" الفارسي عن علاقته بمحمود سعيد: "كان أقرب الفنانين الى قلبي بروحه الشفافة المعبرة عن شعب الاسكندرية في "بحري" و"الأنفوشي" و"محرم بك"، وهي الأحياء التي عشقتها وعشت فيها أحلى أيام العمر والشباب. أعجبني في محمود سعيد اختياراته لموضوعاته، وكذلك أسلوبه الفريد والمتميز في التعبير، واختياراته لألوانه الساحرة الدافئة، كأنها "محمصة" بأشعة الشمس الذهبية. تصاوير محمود سعيد هي الأساس الراسخ لفن التصوير المصري المعاصر".

لا يتسع المقال للحديث هنا عن د. محمد سعيد الفارسي، هذا المكي المستنير، والذي تولى أمانة "بلدية" جدة، وحوّلها (لا سيما كورنيشها) إلى متحف مفتوح لاهم النحاتين والفنانين العالميين، ونترك الكتابة عنه إلى مناسبة أخرى، لكننا نغتنمها فرصة للإشارة إلى أن "استثماره" في الفن التشكيلي لم يشبع فقط روحه المحبة للفن وعشقه لمصر والإسكندرية، وإنما تحول إلى مصدر قيمة وثروة (رغم أنه لم يقصدها أو يتطلع إليها). يكفي هنا أن نشير أن 25 لوحة من مقتنياته بيعت في نيسان (إبريل) 2010 بـ8.7 مليون دولار، أي ثلاثة أضعاف قيمتها التقديرية الأولية المعلنة قبل المزاد، من بينها لوحة "الشادوف" لمحمود سعيد المرسومة عام 1935، والتي بيعت بـ 2.434 مليون دولار، وعُدّت كأغلى لوحة رسمها فنان من العالم العربي والشرق الأوسط حتى ذلك الحين. وقد بيعت في أواخر الشهر الماضي لوحة أخرى للفنان نفسه، وهي الدراويش بسعر 2.546 مليون دولار، وكانت قد رسمت عام 1929.

من المؤكد أن عائد هاتين اللوحتين قد عوض عن كل ما استثمره د. محمد سعيد الفارسي في شراء مئات الأعمال المصرية المشار إليها أعلاه. ولعل في تجربة الفارسي ما قد يفيد الأثرياء العرب، فالاستثمار في الفن ليس بذخا أو مجرد هواية مكلفة، وإنما هو استثمار حقيقي يشبع الروح و"الجيب" معاً. فهل من يسمع أو يتعلم؟!

hani.hourani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحس المرهف للفنان (قيس)

    الجمعة 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    كاتبناالفنان الكبير كنا دائما نسمع ان الغنان او الرسام او الكاتب يكون يمتلك حس مرهف يختلف فيه عن بقية البشر. وكنا نظن ذلك بك ، كمفكر كبير وصاحب ابداعات. اما ان تكتب عن الفن واللوحات وتعتنق الفن وانت في وضع لاتحسد عليه من محاكم وقضايا ، فهذا وضع غريب ومفارقه لااستطيع ان افهمها .الفنان يتاثر بالنسمة الطائره من حوله،فمابالك بقضايا تهز كيان مؤوسسات وشخصيات. انصح كصديق قديم لك رغم الاتنخابات بمعالجة الجبهه الداخليه قبل الخوض في الاحاسيس المرهفة وابداعات الفن حتى تقنع القراء الذين يحبوك
  • »زمن الفن (أحمد عزم)

    الجمعة 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    بعيداعن فكرة شراء وبيع اللوحات بمبالغ فلكية عالية، لا شك أن إنتاج الفن يرتبط بحالات اجتماعية ونفسية وثقافية معينة... عندما تنظر إلى القاهرة في ما قبل الخمسينيات وما هو وضعها الآن... عندما تنظر ما كان عليه الشعب المصري وما آل عليه تشعر بالحزن لا على المصريين كشعب بل على العرب ككل.. فالمصريون هم 25% من أمتنا!! وكانوا طليعتها يوما!يوم كان للأمة مشروع وطليعة...
    شكرا على هذا المقال
  • »شكرا (عصام طنطاوي)

    الجمعة 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    أشكر الأستاذ هاني الحوراني على المعلومات القيمة التي قدمها لنا عن الفنان العربي / العالمي محمود سعيد والأفكار التي طرحها هنا..
    لاشك ان الفن التشكيلي العربي لم يحصل بعد على المكانة التي يستحقها بين فنون العالم المعروفة ، نتيجة الغبن والنظرة الإستعلائية من الغرب نحو الفن العربي و فنون وثقافات شعوب أخرى ، إنها بقايا الإستعمار الذي سمح لنفسه بإحتلال مناطق شاسعة من هذا العالم وفرض الوصاية العسكرية والثقافية عليها .. ولن نلقي بكل المسؤولية على الإستعمار أو الغرب ، بل أننا نتحمل في بلادنا العربية عبء تقديم فنوننا للعالم بالشكل اللائق الذي تستحقه إضافة ان هذه الفنون والآداب لاتحظى بالرعاية المعقولة داخل بلادها ، كم من المواهب إختنقت في ظل الظروف الإقتصادية القاسية والإدارة البيرقراطية من الجهات المسؤولة عن الثقافة ، ولعل إختفاء لوحة فان جوخ من المتحف المصري أحد أشكال الإهمال و التسيب التي ظهرت لأن اللوحة لفنان عالمي بحجم فان جوخ ، ولكن ماذا عن لوحات الفنانين العرب الرواد ؟ هل يستطبع أي باحث أن يعرف أين توجد ؟ وهل ثمة متاحف تعتني بها وتحفظها من التلف والضياع ؟ أو النسيان .. لقد انتج الفن الأردني عبر ثلاثة أو اربعة أجيال بدءاً من الرواد الى الشباب العديد من اللوحات المهمة .. السؤال : كم لوحة منها في متحفنا الوطني ؟ ومانسبتها لدى المقتنين الأردنيين ؟ وماهو دور الجاليرهات الأردنية في هذه القصة ؟
    لنعترف أننا مللنا من المقولة الشائعة : ان الفنان لايشتهر إلا بعد أن يموت ! هل يدفعوننا سريعاً نحو الموت لكي نحظي بالقليل من الشهرة أو المكانة ؟
    أسئلة كثيرة لن يتسع لها هذا المكان
    ولكننا لن نخفي فرحنا بالفنان محمود سعيد ، وننتظر أن نسمع بأخبار جميلة مماثلة عن فنانين عرب آخرين .. تحياتي
  • »خمسة ملايين دولار لقاء "شادوف و"دراويش" محمود سعيد! (علي)

    الجمعة 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    مقال ممتاز