بلدان صغيرة وأفكار كبيرة

تم نشره في الخميس 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

 

قبل عشرين عاماً كان العديد من الناس يتصورون أن الدرس المستفاد من ثمانينيات القرن العشرين هو أن النموذج الرأسمالي الذي تبنته اليابان كان النموذج الأفضل على الإطلاق، وأن البلدان الأخرى في مختلف أنحاء العالم لابد أن تحذو حذو اليابان. ولكن النموذج الياباني سرعان ما فقد بريقه في التسعينيات.

وقبل عشرة أعوام تصور العديد من الناس أن الدرس المستفاد من التسعينيات هو أن النموذج الرأسمالي الذي تبنته الولايات المتحدة كان النموذج الأفضل، وأن البلدان الأخرى لابد وأن تحذو حذو الولايات المتحدة. ولكن سرعان ما فقد النموذج الأميركي جاذبيته في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

في أي اتجاه إذن ينبغي لبلدان العالم في عام 2010 أن تتطلع بحثاً عن نماذج النجاح الاقتصادي لمحاكاتها؟

ربما كان لزاماً عليها أن تتطلع إلى المحيط الخارجي للاقتصاد العالمي. إن العديد من البلدان الصغيرة هناك جربت مع السياسات والمؤسسات التي قد يكون من المفيد بالنسبة لبلدان أخرى أن تتبناها.

فقد تمكنت كل من كوستاريكا في آسيا الوسطى وموريشيوس في أفريقيا من التقدم على جاراتهما منذ بعض الوقت. ومن بين العديد من القرارات التي أسفرت عن نتائج طيبة في البلدين، أن كلاً منهما تخلت عن وجود جيش عامل دائم. وكانت النتيجة في الحالتين تاريخاً سياسياً خلواً من الانقلابات، ومدخرات مالية يمكن استخدامها في التعليم والاستثمار وغير ذلك من المنافع العامة.

كما ساعدت مجموعة كاملة من الابتكارات شيلي في التفوق على أداء جاراتها في أميركا الجنوبية. فهناك تعمل المؤسسات المالية على تأمين ميزانية مخصصة لمواجهة التقلبات الدورية. إن العديد من الحكومات تفرط في الإنفاق في فترات الازدهار، ثم تضطر إلى خفض الإنفاق في فترات الركود، فتعمل بالتالي على زيادة حدة التقلبات الدورية.

وتتألف المؤسسات المالية في شيلي من عنصرين رئيسيين:

• الأول أن قاعدة ضبط الموازنة البنيوية لا تسمح بالعجز إلا بالدرجة التي يكون عندها سعر النحاس الحالي أدنى من سعر توازنه لعشرة أعوام أو يكون عندها الناتج أدنى من اتجاهه في المدى البعيد.

• والثاني أن فريقين من الخبراء التقنيين يتولون الحكم على اتجاهات أسعار النحاس والناتج على التوالي، بمعزل عن العملية السياسية التي كانت لولا ذلك لتستسلم للتفكير القائم على التمني.

إن مثل هذه المؤسسات تستحق التقليد من جانب البلدان الأخرى المصدرة للسلع الأساسية، بهدف التغلب على ما يطلق عليه "لعنة الموارد الطبيعية". وحتى البلدان المتقدمة مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من الممكن أن تتعلم شيئاً من تجربة شيلي، فمن الواضح أن هذه البلدان نسيت في خضم التوسع الأخير كيف تدير السياسات المالية في مواجهة التقلبات الدورية.

كما نجحت سنغافورة في بلوغ مصاف البلدان الغنية بالاستعانة باستراتيجية تنموية فريدة من نوعها. ومن بين الإبداعات العديدة التي اشتملت عليها هذه الاستراتيجية تبني نهج أبوي في الادخار واستخدام آلية الأسعار للتغلب على الاختناقات الحضرية (وهو النهج الذي تبنته لندن في وقت لاحق).

الواقع أن العديد من البلدان الأخرى الصغيرة لديها من الدروس المفيدة الكثير. فقد حملت نيوزيلندا لواء الريادة وتقدمت الطريق لإرشاد العديد من البنوك المركزية في العالم فيما يتصل باستهداف التضخم، إلى جانب العديد من إصلاحات التحرير في أواخر الثمانينيات. ولعل حزب العمال هناك يستحق أن ننسب إليه فضل الريادة في إثبات مبدأ مفاده أن حكومات يسار الوسط قادرة في بعض الأحيان على تطبيق سياسات التحرير التجارية على نحو أفضل من خصومها من حكومات يمين الوسط.

كما أظهرت أيرلندا أهمية الاستثمار المباشر الأجنبي. وقادت استونيا الطريق فيما يتصل بتبسيط النظام الضريبية من خلال فرض ضريبة ثابتة ناجحة في عام 1944، ثم تبعتها سلوفاكيا وغيرها من البلدان الصغيرة في وسط وشرق أوروبا وفي أماكن أخرى (بما في ذلك موريشيوس).

وكانت المكسيك أول من تبنى فكرة التحويلات النقدية المشروطة، التي أطلقتها في عام 1998. وفي وقت لاحق تبنت العديد من البلدان في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا برامج التحويلات المالية المشروطة.

والواقع أن هذا الإبداع المكسيكي كان بمثابة ثورة مزدوجة. فأولاً تبنت المكسيك فكرة سياسة محددة تتلخص في جعل إعانات الفقر مشروطة بانتظام الأطفال في المدارس (وهي الفكرة التي تبنتها مدن كبرى مثل مدينة نيويورك). وثانياً، وربما الأكثر أهمية، أن المكسيك نفذت فكرة منهجية تتلخص في إجراء تجارب موجهة في محاولة للتوصل إلى السياسات الناجحة والتعرف على السياسات غير الناجحة في البلدان النامية.

وفي التسعينيات أيضاً، وتحت زعامة الرئيس ارنستو زيديللو آنذاك، أنشأت المكسيك مؤسسات انتخابية فيدرالية غير حزبية، وهي المؤسسات التي أثبتت في عام 2006 قدرتها على حل المنازعات الانتخابية بنجاح. (وفي المقابل، تبين في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2000 أن الولايات المتحدة لم يكن لديها آلية كهذه. ومؤخراً أغلق الرئيس الحالي فيليبي كالديرون ذلك المرفق الانتخابي الراسخ واتجه إلى ملاحقة الإصلاحات المطلوبة بشدة في مجالات الضرائب ومعاشات التقاعد وغير ذلك من مجالات الإصلاح.

والواقع أنني لا أقصد حين أسلط الضوء على مؤسسات محددة قد يكون تبنيها في أماكن أخرى مفيداً أن أقترح أن مثل هذه المؤسسات من الممكن أن تُتَرجَم بلا جهد من سياق وطني إلى آخر. ولا أريد أن أقول إن هذه الأمثلة مسؤولة بالكامل عن النجاح الاقتصادي في البلدان التي تبنتها. (الواقع أن قِلة قليلة من هذه البلدان كانت في الآونة الأخيرة عُرضة لمشاكل حادة). ولكن المقصود هنا أن أي بلد ليس بالضرورة أن يكون ضخماً لكي يصلح كنموذج يحتذي الآخرون حذوه.

إن البلدان الصغيرة تميل إلى الانفتاح على التجارة، وهي غالباً منفتحة على الأفكار الجديدة ـ وأكثر تحرراً من البلدان الضخمة فيما يتصل بالتجريب. ولا شك أن نتائج مثل هذه التجارب ـ حتى في حالة فشلها ـ لا تخلو من دروس مفيدة لنا جميعا.


* أستاذ العلوم الحكومية في كلية جون ف. كينيدي للعلوم الحكومية بجامعة هارفارد.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مرة اخرى... (sami)

    الخميس 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    كوستاريكا في اسيا الوسطى؟!