بانتظار الذئب

تم نشره في الأربعاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

اللعنة، لا أدري إن كان سوء الطالع، وحده، هو ما قادني إلى حظيرة الخراف.

القصة بدأت فجر أمس، فقد أعددت برنامج عملي، منذ الصباح، متضمنا، مهمتين لا ثالث لهما: ممارسة حقي الشرعي والوحيد بالاقتراع، وابتياع خروف العيد، فقط لا غير.

أما المشكلة فبدأت لدى المفاضلة بين الأولويات، فقد احترت بأي المهمتين أبدأ أولا. خشيت إذا ذهبت لممارسة حقي الشرعي والوحيد بالاقتراع، أن تنفد الخراف، لا سيما أن العيد على الأبواب، فضلا عن أن أمس هو يوم النحر والذبح على أيدي المرشحين الفائزين، وعلى الأرجح أنني لن أجد بعدها خروفا واحدا ناجيا من مجزرة الولائم.

وفي المقابل، خشيت، في حال رجحت أولوية الخروف على أولوية الاقتراع، أن أفقد حقي الشرعي والوحيد، الذي انتظرته منذ أربعة أعوام متواصلة، وأنا أشحذ "صوتي" و" أجلخه" إعدادا لهذا اليوم المهيب، تماما مثلما أنتظر "المونديال"، بما يترتب عليه من رهانات خائبة، على الأغلب، ليس من الفرق المهزومة، بل من الحكام الذين يديرون "المونديال".

عموما، بعد مفاضلات عديدة، استوجبت حرق علبة سجائر كاملة، توصلت إلى حل بدا لي مقنعا، على قاعدة "لا يموت الذيب ولا يفنى الغنم"، فقد قررت أن أشتري الخروف أولا، وأصطحبه معي إلى دائرتي الانتخابية، بدل هدر الوقت بإرساله إلى البيت وربطه هناك، الأمر الذي قد يستغرق النهار بأكمله، مع "دوشة" الانتخابات، وحمى مواكب السيارات، التي تقل الناخبين، ذهابا وإيابا من وإلى مراكز الاقتراع، وقلت في نفسي، هي مجرد دقائق معدودات، والخروف لن يسبب إزعاجا لأحد.. فهو مجرد خروف مسالم من فئة "الغنم" التي تفنى لتبقي "الذيب" سالما ( فقد افترضت أنني من فئة الذئاب).

المهم، بعد أن مسحت عدة حظائر، بحثا عن الخروف الملائم لسكين العيد، ربطته بحبل وجررته خلفي، وأسرعت الخطى قاصدا دائرتي الانتخابية، قبل أن يفوتني موعد ممارسة حقي الشرعي والوحيد.

وفي الطريق، رحت أستعرض للمرة الأخيرة صور المرشحين، ويافطاتهم، وأستذكر مبلغ "النعيم" المسبغ على أمثالي، واستذكرت كذلك رحلة الحياة الديمقراطية الطويلة، التي عشتها وكافحت من أجل بلوغها، بعد عقود الكبت والحرمان، وصولا إلى هذا "الإنجاز" التاريخي، صحيح أنه "ربع صوت" في دائرة وهمية، لكنه "إنجاز" على أي حال، على قاعدة "لا يموت الذيب ولا يفنى الغنم"، وأحسست من فرط "سعادتي"، بتثاقل غريب في خطاي، وترهل ممعن في جسدي، حتى خيل إلي أنني سأتأخر لا محالة عن دائرتي الانتخابية.

غير أن الأغرب من كل ذلك، أن الخروف الذي كنت أجره خلفي سبقني بخطاه، وصار هو من يقودني لا أنا، فرحت أنهره كي يبطئ الخطى لكنه لم يعر لـ"صوتي" الذي شحذته على مدار أربع سنوات أي اهتمام، لكنني كنت سعيدا، حين اكتشفت أنه كان يحفظ طريق دائرتي الانتخابية جيدا.

حمدت الله، أن وصلت قبل انتهاء موعد الاقتراع بدقائق، وما هي سوى بضع لحظات حتى انتهيت من ممارسة حقي الشرعي والوحيد، لأن المهمة، برمتها، لا تتعدى "ربع الصوت".

والواقع أنني لم أستغرق وقتا طويلا في إجراءات الاقتراع، فقد دخلت مباشرة، متجها إلى الموظف المسؤول، الذي تفرّس في ملامحي ملياً، محاولا المقارنة بينها وبين الموجود في صورتي على الهوية، على الرغم من أنه لم يبد مقتنعا بوجود تشابه بين الأصل والصورة، لكنه، ونظرا للضغط الشديد، حاول إتمام المعاملة، قبل أن يسألني، مباشرة: حسب "الأصل" الذي أراه أمامي، فمن المؤكد أنك "أمّي"؟

فأومأت برأسي موافقا على تأكيده، وحينها تولى هو، بنفسه، سائر الإجراءات بالنيابة عني، بعد أن "بصّمني" على عدة أوراق، أمامه.

وخرجت من دائرة الاقتراع، مطمئن البال بعد أن أديت المهمتين بنجاح، شراء الخروف وممارسة حقي بالاقتراع، على قاعدة "لا يموت الذيب ولا يفنى الغنم".

ثم خرجت سريعا، وحللت رباط الخروف، وتركته يقتادني إلى حظيرته، بعد أن بدأ الصوف ينمو على جسدي، وقبعنا، أنا وإياه، معا، بانتظار مجيء "الذيب"!

basel.talouzi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جميل (قدري)

    الأربعاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    شكرا على الابتسامة
    نهاركم سعيد.
  • »هذا هو المواطن الصالح الذي افاد ربه ووطنه (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأربعاء 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    وحسنا فعلت يا اخي باسل ، وأهم ما في الأمر أنك صوت أميا.ففي هذه الحالة لم تخبرنا ان الأسم الذي اخترته هو ما كتبه الموظف على قسيمة الأنتخابات ..يبدو أن شراء الخروف اخذ عشرات المرات اكثر من التصويت لقلة الناخبين ..والمضحك والمبكي معا بأن صوتك الأنتخابي مات قبل أن يذبح الخروف ، وأن لحمه سيتوزع على الفقراء والأقارب والجيران ..وصوتك انتحر دون أن يفيد المرشح ال>ي اخترته بل افاد مرشحا اخرا من ذوي القربى