إبراهيم غرايبة

الرعي الجائر للمعرفة

تم نشره في الخميس 28 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

هل نعرف ما لدينا من موارد معرفية؟ وهل يعبر استهلاك المعرفة السائد لدينا في المدارس والجامعات والنشر والإعلام والعمل والمؤسسات والمهن عما لدينا من موارد، وعما نحتاجه بالفعل، وأين ما لدينا من معرفة في الخريطة العالمية للمعرفة؟

من يتابع الإنتاج المعرفي لدينا يلاحظ أن ثمة ابتعادا عن المحركات الحقيقية لإنتاج المعرفة واستهلاكها، فما ينشر وينتج يغلب عليه التكرار والسرقة والاقتباس من غير إضافة، وهذا يصيب موارد المعرفة نفسها بالإهمال والتكلس لأن المعرفة لا تتحصل إلا بمجهود كبير، وإذا لم يكن العمل المعرفي قائما على الإضافة والإبداع، فإنه يصبح عبئا على نفسه وعلى المستهلك.

عندما تدرج في غوغل قضية من القضايا اليومية او المعرفية الكبرى وتنظر في الإنتاج الفكري والإعلامي حولها، ستجد حجما كبيرا من الكتابة والنشر، ولكنها جميعها في التقييم والجرد النهائي ليست أكثر من تكرار (وغالبا بلا أمانة ولا نزاهة ولا وجه حق) لمعرفة ضئيلة أنتجها عدد قليل من الناس، ومن المضحك وشر البلية ما يضحك أن سماسرة ومقاولين في الدراسات والمعرفة والإعلام يحققون من المنافع المادية والمعنوية أضعاف ما يحققه المنتجون الأصيلون لها.

أتمنى على القراء أن يتابعوا إصدارات دور النشر ومراكز الدراسات والمجلات المتخصصة والرسائل العلمية والمؤتمرات والندوات والمحاضرات العلمية والمعرفية التي تعقد، وهي تنتج لدينا بعدد كبير جدا يفوق قدرة أنشط المتابعين وأكثرهم قدرة على الاستيعاب، أو ليتتبع رسائل الماجستير والدكتوراه والبحوث العلمية المنشورة في المجلات المحكمة وينظر ويقدر جدواها الممكنة، أو أصالتها المعرفية والعلمية، أو يلاحظ مدى الاستشهاد بها والاعتماد عليها في بحوث ودراسات وكتب أخرى، أو ليغمض عينيه لمدة دقيقة واحدة ويسأل نفسه ويحاول أن يجيب؛ ماذا ستفيدنا أو يمكن أن تفيد مثل هذه الدراسات والكتب والمؤتمرات والندوات والتقارير والتحقيقات، وإن كان لديه أكثر من دقيقة فليختر من العناوين والعبارات والمقدمات أجزاء ويضعها في غوغل.

إن الجهد الكبير الذي يبذل في السرقة والتكرار لو بذل نفسه في البحث والإضافة لأمكن إنقاذ موارد المعرفة وتطويرها، ولكن ما يحدث اليوم في سوق المعرفة يشبه تجمع كائنات الغابة جميعها حول بركة صغيرة ضحلة متروكة لتواجه مصيرها.

والكارثة الأخرى في سوق المعرفة هي الموجات أو الموضات التي تهب على البحث والكتابة والتأليف، فيهب عليها كل السماسرة والنشطاء، وتتحول إلى استثمار واحتكارات أيضا، ولنتذكر في السنوات القليلة الماضية على سبيل المثال موجات من قبيل حقوق الإنسان والإسلام السياسي والتمكين والعنف والتطرف والإرهاب والمياه والبيئة، وستجد أن الخبراء والباحثين والعلماء والزبائن في المجالات جميعها هم أنفسهم من غير زيادة ولا نقصان، وإذا اتجهت الفضائيات والمنظمات الدولية غدا إلى تطوير زراعة النخيل أو صناعة رب البندورة فسوف تجد أن أبطال البحث والمعرفة في أي حقل كان، هم أنفسهم أبطال الجيولوجيا والزراعة وعلم الأنساب.

وهذا ليس خطأ بحد ذاته، ولكنك ستجد الأسلوب نفسه والقائم على الاستسهال والشلفقة والسرقة، .. والرعي الجائر.

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »many thanks (هيثم الشيشاني)

    الخميس 28 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    أستاذنا إبراهيم... أنت قلتها... "استهلاك المعرفة"
  • »المعرفة (amalalkhaledy)

    الخميس 28 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    اشكر الكاتب المتميز والرائع ابراهيم غرايبة على مقاله واضيف
    اليوم يلتقط الانسان المعلومة بسرعة الضوء وعلى الهواء بامواج عاتية من محيط الانترنت، وليس بقدرة احد الامساك بها فقد حطم العلم الجغرافيا وكل الوان المراقبة وبذا كانت المعرفة تحررا كاملا من القيود والمسافات فقوة الانسان في قوة معرفته وهذا هو سبب الحاح القران على نشر المعرفة ويقول المؤرخ البريطاني(ويلز)ان لورق حرر عقل الانسان ومن هنا كانت اهمية المعرفة لانها تعني ثلاثة امور تحرر الانسان من الوهم والخرافة وامكانية زيادة المعرفة بدون حدود ونقل المعرفة للاخرين بواسطة نظام اللغة المفتوح
    ويعتبر اي موضوع يتناوله كاتب او باحث ما في المعرفة مهما وضروري وفي الكثير من الحالات يكون المعيار الاساسي هو مدى شهرة الموضوع ومدى تناوله في مصادر المعلومات ووسائل الاعلام بحيث اضافته للمعرفة واخذه لها مبررا وليست مجرد دعاية له وان تكون على درجة كبيرة من الاهمية والصدق والثقة
    واخيرا يقول الشاعر:
    والعلم ان لم تكتنفه شمائل تعليه كان مطيه الاخفاق
    لا تحسبن العلم ينفع وحده ما لم يتوج ربه بخلاق ا
  • »Creativity and Knowledge Resources (Mahmoud)

    الخميس 28 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    For those who are hindering the creativity and sterilising our knowledge production please stop following the social fame and bragging how much money you are making.